# صلاة الفجر: ميزان الإيمان وسبيل النجاة من النفاق
مقدمة: التقوى هي مفتاح الفلاح
أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله -عز وجل-؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، وبها يُفتح باب النجاة وتُستنزل الرحمات. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ}. إن الفلاح الحقيقي ليس في حطام الدنيا الزائل، بل في الثبات على الطاعة والمصابرة على التكاليف الإلهية حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا.
عباد الله، إن المرء ليعجب حين يرى من يرجو الجنة وهو خالٍ من حقيقة الإيمان، أو من يدعي الإيمان وهو يفتقر إلى الصبر، أو من يرجو الصبر وهو بعيد عن المصابرة والمرابطة! فهل تُنال تقوى الله التي هي سبب نجاة العبد ودخوله الجنة بغير إيمان صادق؟ لا والله، وتالله لا تقوى إلا بإيمان، وبين هذه التقوى وذاك الإيمان قناطر ومراحل من الصبر على الطاعة، ومواطن تحتاج إلى مصابرة ومرابطة، ومواقف لا بد فيها من مجاهدة للنفس ومحاسبة دقيقة، وسير حثيث على الجادة واستقامة على الصراط المستقيم، وأداء للواجبات والفرائض كما أمر الله.
الجنة غالية ولا تُنال بالأماني
لقد رسم الله لنا الطريق بوضوح، فقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُم تُرحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ}. فالجنة ميراث المتقين، كما قال تعالى: {تِلكَ الجَنَّةُ الَّتي نُورِثُ مِن عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا}، وهي دار الأمن التي لا يمس أهلها سوء، {وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِم لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُم يَحزَنُونَ}.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق» (رواه الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني). وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا» (رواه مسلم). وفي نداءات النبوة الخالدة، قال عليه الصلاة والسلام لبلال: «يا بلال، قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن»، وقال لابن الخطاب: «يا بن الخطاب، اذهب فنادِ في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون».
إن دخول الجنة -أيها الإخوة- وإن كان أمنية غالية لكل مسلم، إلا أنه ليس بالأمر الهين الذي يُدرك بمجرد التمني والأماني الفارغة، بل هو مطلب نفيس لا يحصله إلا من قام بحقه، وغاية لا يدركها إلا من سلك طريقها بصدق، {لَيسَ بِأَمَانِيِّكُم وَلا أَمَانيِّ أَهلِ الكِتَابِ مَن يَعمَلْ سُوءًا يُجزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَن يَعمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ وَلا يُظلَمُونَ نَقِيرًا}.
صلاة الفجر: الشاهد والمشهود
أمة الإسلام، لنتأمل في حالنا مع صلاة الفجر، تلك الصلاة التي جعلها الله فاصلاً بين الإيمان والنفاق، وإحدى الصلوات الخمس التي فُرضت من فوق سبع سماوات. ما بالها اليوم تشكو قلة المصلين؟ وما بال عدد التاركين لها يزداد مع مرور الأيام؟ أيعقل أن يترك عباد الله في الأرض صلاة يشهدها عباد الله في السماء من الملائكة؟
يقول الله عز وجل: {إِنَّ قُرآنَ الفَجرِ كَانَ مَشهُودًا}، أي تشهده الملائكة وتحضره وتكتب أسماء الحاضرين فيه. وعن فضل هذا الاجتماع المبارك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (متفق عليه).
فيا من تدعي الإيمان وتطلب الجنة، إلى متى تضيع أمر الله؟ وإلى متى تفرط في هذه الأجور العظيمة؟ إن تفويت صلاة الفجر هو تفويت لعهد الله بالنجاة، فقد قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات افترضهن الله -عز وجل- من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
الخروج من دائرة النفاق إلى ذمة الله
عباد الله، أخرجوا أنفسكم من دائرة النفاق الضيقة، وادخلوا في رحاب ذمة الله الواسعة بصلاة الفجر في جماعة. عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوماً الصبح، فلما سلم قال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا. قال: «إن هاتين الصلاتين (الفجر والعشاء) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله» (رواه أبو داود والنسائي وحسنه الألباني).
إن صلاة الفجر هي المحك الحقيقي لاختبار الإيمان، وميزان دقيق لا يخطئ. إنها امتحان يومي تظهر نتيجته بوضوح تام؛ فإما حضور مع الجماعة في بيوت الله، وانتظام في صفوف المؤمنين المحفوفين برعاية الله، وإما تكاسل وغياب وانقطاع، وهو ما يعني الخروج من ذمة الله والدخول في صفوف أهل النفاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله» (رواه مسلم).
مجاهدة النفس وترك الهوى
فاتقوا الله أيها المسلمون، وراقبوا أنفسكم، خاصة من تثقل عليهم صلاة الفجر في الصيف لقصر ليله واستغراقهم في النوم بعد السهر، أو من يصعب عليهم ترك الفراش في الشتاء رغبة في الدفء. متى نكون عبيداً لله حقاً لا عبيداً لأهواء أنفسنا؟ أفتظنون أن الراحة في اتباع الهوى؟ لا والله، فلا راحة تامة في هذه الدنيا، وإنما الراحة الكاملة في الجنة لمن دخلها بصدق.
إن خير الأعمال وأزكاها عند الله هي الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (رواه أحمد وصححه الألباني). فاصبروا على طاعة الله كما صبر الموفقون من قبلكم، فقد عانوا كما تعانون، لكنهم علموا يقيناً أنه لا أمن في الآخرة إلا لمن خاف ربه في الدنيا وتعب في طاعته.
يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «وعزتي، لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة» (رواه ابن حبان وحسنه الألباني). فرحم الله أقواماً من سلفنا الصالح، عانوا المشي إلى المساجد في الظلمات، ولم يردهم برد ولا بعد مسافة، بل كان منهم من يُقاد بين الرجلين حتى يُقام في الصف، ومنهم من يزحف إليها زحفاً، طلباً لمرضاة الله.
مسؤولية الآباء والأمانة الكبرى
أيها المسلمون، إن المشهد الجميل هو أن نرى المسلمين، كباراً وصغاراً، يبكرون إلى بيوت الله متطهرين مستغفرين. ولكن، ما أسوأ الحال حين يغفل الكبير عن مسؤوليته، فلا يجد الصغير فيه قدوة! اتقوا الله أيها الآباء والإخوة الكبار، وارعوا أماناتكم تجاه أبنائكم.
إن تساهل الشباب والمراهقين في صلاة الفجر لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة إهمال الآباء، فمنهم من يحرص على نفسه ويهمل أبناءه، ومنهم من لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر في بيته. اتقوا الله وقوموا بحق الله في أهليكم، فقد ناداكم ربكم بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُون}.
ختاماً، تذكروا أن الدنيا ساعة فاجعلوها طاعة، وأن صلاة الفجر هي بوابة يومكم المليئة بالبركة والنور، فلا تغلقوها في وجوهكم بالنوم والكسل، واجعلوا من أنفسكم ومن أبنائكم عماراً لبيوت الله، تفوزوا برضا الله وجنته.

اترك تعليقاً