# صلاة الفجر والعصر: أسرار البردين وحال الناس معهما في آخر الزمان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد؛ فإن المتأمل في ملكوت الله وتصاريف القدر يدرك يقيناً أن الله تعالى قد اصطفى من الأزمان أزماناً، ومن الساعات ساعات، جعل لها شأناً عظيماً وقدرًا جليلاً. ومن أعظم هذه الأوقات التي نوه الله بذكرهما في محكم التنزيل، وأقسم بهما في مواضع شتى، هما وقتا الفجر والعصر. هذان الوقتان ليسا مجرد لحظات عابرة في دورة الفلك، بل هما مِحكانِ إيمانيانِ، وميزانانِ دقيقانِ يقيس بهما العبد مدى صدق صلته بخالقه جل وعلا.
لقد جعل الله تعالى الفجر والعصر وعاءين لصلاتين عظيمتين، هما صلاة الفجر وصلاة العصر، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على بيان فضلهما وعظم شأنهما. فمن حافظ عليهما فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن ضيعهما فقد عرض نفسه لغضب الجبار ووعيد النار.
الملائكة تشهد: تقرير يومي يرفع إلى رب العالمين
إن من أعظم أسرار هاتين الصلاتين أنهما وقتانِ تشهدهما ملائكة الرحمن. فقد وكل الله تعالى بكل إنسان أربعة من الملائكة الحفظة المعقبات، يحرسونه بأمر الله من بين يديه ومن خلفه. هؤلاء الملائكة ينقسمون إلى نوبتين: نوبة نهارية تبدأ من صلاة الفجر إلى صلاة العصر، ونوبة ليلية تبدأ من صلاة العصر إلى صلاة الفجر.
وتأمل أخي المؤمن في هذا المشهد المهيب؛ حيث يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت صلاة الفجر وفي وقت صلاة العصر. ثم يصعد الذين انتهت نوبتهم إلى السماء، فيسألهم الله تعالى -وهو أعلم بعباده منهم-: “كيف تركتم عبادي؟”. فتقول الملائكة بلسان الصدق: “أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون”. فيا له من فخر، ويا له من شرف أن يُرفع اسمك في الملأ الأعلى مقترناً بالصلاة والركوع والسجود! وفي المقابل، يا لخيبة من ترفع الملائكة عنه تقريراً بأنه كان نائماً عن الفجر، أو لاهياً عن العصر.
التحذير من التشبه بآل فرعون وضلال الأمم
إن التهاون في صلاة الفجر والعصر ليس مجرد كسل عابر، بل هو انزلاق نحو مسالك الهالكين. فقد أخبرنا الله تعالى أن وقتا الفجر والعصر هما الوقتان اللذان يُعرض فيهما جبابرة الكفرة على النار في برزخهم. قال تعالى عن آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]. والغدو هو وقت الفجر، والعشي هو وقت العصر.
إن هذا العرض الصباحي والمسائي على النار كان جزاءً لتكبرهم وإعراضهم عن هدي الرسل. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من لم يحافظ على صلاته حُشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون. فالمتخلف عن صلاة الفجر والعصر يتشبه بآل فرعون في إعراضهم، ويخشى عليه أن يناله من عذاب القبر في هذين الوقتين ما ينالهم.
كما أن هاتين الصلاتين قد فُرضتا على الأمم السابقة فاستحقوا الذم لتضييعهم إياها. قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ…} [مريم: 59، 60]. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سنن من كان قبلنا، فقال: «لَتتبعن سننَ مَن كان قبلكم»، وقال: «مَن تشبَّه بقوم فهو منهم». فاحذر يا عبد الله أن تكون ممن يطبق عليهم وعيد “الغي” بسبب تضييع البردين.
البردان: بوابة الجنة والنعيم المقيم
لقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم المحافظين على هاتين الصلاتين ببشارة عظيمة تثلج الصدور، فقال: «مَن صلَّى البردين دخل الجَنَّة». والبردان هما الفجر والعصر، وسُميا بذلك لبردهما بالنسبة لطرفي النهار. إن المحافظة عليهما تعد سبباً مباشراً لدخول الجنة؛ لأن في الفجر مجاهدة للنفس بترك لذيذ النوم، وفي العصر مجاهدة للنفس بترك مشاغل الدنيا وتجاراتها.
وقد رتب الله تعالى الثواب الجزيل على تسبيحه وذكره في هذين الوقتين، وأعظم صور التسبيح هي الصلاة المفروضة. قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130]. وقال سبحانه في وصف عمار المساجد: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36، 37].
الرزق الموعود في الدنيا والآخرة
من لطيف فضل صلاة الفجر والعصر أنهما وقتان لتوزيع الأرزاق. ففي الدنيا، بورك لأمة النبي صلى الله عليه وسلم في بكورها. وفي الآخرة، جعل الله هذين الوقتين موعداً لرزق أهل الجنة. قال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62].
عندما هجر المؤمنون في الدنيا لذيذ المنام في الفجر، وتركوا أشغالهم في العصر، وركعوا وسجدوا خاضعين للملك القدوس، جازاهم الله من جنس عملهم؛ فنالوا في الجنة في مثل هذين الوقتين من الإنعام والإكرام ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إن الصلاة هي آية التقوى، والتقوى هي مفتاح الميراث السماوي: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63].
ذروة النعيم: النظر إلى وجه الله الكريم
إن أعظم نعيم أهل الجنة على الإطلاق، والذي تتضاءل أمامه كل اللذات، هو التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم. وقد جعل الله تعالى المحافظة على صلاة الفجر وصلاة العصر سبباً رئيساً لنيل هذا الشرف العظيم.
فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم ألا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا».
تأمل هذا الربط النبوي العجيب! فكأن من حافظ على صلاة الفجر (قبل طلوع الشمس) وصلاة العصر (قبل غروبها) كافأه الله بأعظم رؤية، وهي رؤية وجهه سبحانه. فكيف يفرط عاقل في هذه المنزلة؟ وكيف يرضى المؤمن أن يُحرم من النظر إلى خالقه ومولاه بسبب نومة أو شغلة دنيوية فانية؟
الحذر من صفات المنافقين
يا أخي المسلم، اعلم أن المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يحضرون الصلاة، لكن شأنهم كان الكسل والتثاقل. قال تعالى في وصفهم: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} [التوبة: 54].
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تأخير صلاة العصر خاصة، ووصف من يؤخرها حتى تصفر الشمس بصلاة المنافق، فقال: «تلك صلاة المنافق -قالها ثلاثًا- يَرقب الشمسَ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان نَقَر أربعًا لا يَذكر اللهَ فيها إلا قليلًا». فإذا كان هذا حال من يصليها بتكاسل وتأخير، فكيف يكون حال من يتركها بالكلية أو يخرجها عن وقتها؟
إن المسلم العاقل لا يرضى لنفسه أن يكون أسوأ حالاً من المنافقين. بل عليه أن يسارع إلى تلبية نداء الله، ويؤدي الصلوات في أوقاتها مع الجماعة، ليفوز بمحو الخطايا، ورفعة الدرجات، والنجاة من النيران، ووراثة الفردوس من الجنات.
خاتمة ودعاء
عليك أخي المسلم بالمحافظة التامة على هاتين الصلاتين وسائر الصلوات الخمس، لتكون من الوارثين الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 9 – 11]. ابرأ إلى الله من سنن المشركين والضالين، وجاهد نفسك لتكون في زمرة المصلين الذاكرين.
اللهم اجعلنا من المحافظين على صلواتنا، المقيمين لحدودك، الفائزين برضاك. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأعذنا من مضلات الفتن ومن عذاب القبر وعذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً