علماء سيرن يحولون الرصاص إلى ذهب: اكتشاف علمي تاريخي في فيزياء الجسيمات

علماء سيرن يحولون الرصاص إلى ذهب: اكتشاف علمي تاريخي في فيزياء الجسيمات

علماء سيرن يحولون الرصاص إلى ذهب: اكتشاف علمي تاريخي في فيزياء الجسيمات

لطالما راود البشر حلم تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب نفيس، وهو حلم سعى إليه الخيميائيون القدامى بشتى الطرق، لكن دون جدوى. اليوم، وبعد قرون من المحاولات، تحقق هذا الحلم ولو بكميات ضئيلة، وذلك بفضل التقدم العلمي الهائل في مجال فيزياء الجسيمات.

إنجاز تاريخي في مختبر سيرن

في السابع من مايو/أيار 2025، حقق فريق من الباحثين في مختبر فيزياء الجسيمات "سيرن" بسويسرا إنجازًا علميًا تاريخيًا: إنتاج كمية صغيرة جدًا من الذهب من خلال تحويل الرصاص باستخدام "مصادم الهدرونات الكبير" (LHC)، وهو أكبر مسرع للجسيمات في العالم.

هذه التجربة، التي نُشرت نتائجها في دورية "فيزيكال ريفيو سي"، تُعد الأولى من نوعها التي ترصد إنتاج الذهب وتحلله معمليًا.

لماذا هذا الاكتشاف مهم؟

على الرغم من أن الهدف الأساسي من التجربة لم يكن إنتاج الذهب، إلا أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق للفيزياء الأساسية.

يقول الدكتور مصطفى بهران، الأستاذ الزائر في قسم الفيزياء بجامعة كارلتون الكندية: "الهدف الرئيس من هذا العمل هو دراسة أنماط انبعاث البروتونات في هذه التصادمات من أجل تعزيز فهم الفيزياء الأساسية، ما قد يساعد في تطوير النظريات المتعلقة بالتفاعلات النووية وإنتاج الجسيمات."

ويؤكد الدكتور بهران أن البحث "تقني تمامًا ولا توجد له تطبيقات مباشرة خارج المعرفة الفيزيائية، ولا يرتبط البحث كذلك بهدف إنتاج الذهب".

كيف تم تحويل الرصاص إلى ذهب؟

يكمن السر في التركيب الذري لكل من الرصاص والذهب. يحتوي الرصاص على 82 بروتونًا، بينما يضم الذهب 79 بروتونًا. لتحويل الرصاص إلى ذهب، يجب أن يفقد الرصاص ثلاثة بروتونات، وهو ما يتطلب طاقة هائلة.

هذا الدور قامت به "مصادم الهدرونات الكبير" من خلال:

  1. تسريع الجزيئات: يقوم المصادم بتوجيه أشعة من الهدرونات (جسيمات تحت ذرية مثل البروتونات والنيوترونات) بسرعة قريبة من سرعة الضوء.
  2. التصادمات الطرفية: يتم توجيه حزمتين من الأشعة في اتجاهين متعاكسين، مما يؤدي إلى تصادم الجزيئات. في هذه الدراسة، كانت التصادمات "طرفية"، أي أن النوى الذرية لم تصطدم مباشرة، بل تفاعلت من خلال القوى الكهرومغناطيسية.
  3. إطلاق الطاقة: مرور الأيونات بالقرب من بعضها البعض يطلق كمية كبيرة من الطاقة على شكل فوتونات.
  4. فقدان البروتونات: هذه الفوتونات عالية الطاقة تتسبب في فقدان نواة ذرات الرصاص ثلاثة بروتونات، مما يحولها إلى ذرات ذهب.

كمية الذهب المنتجة وخصائصها

خلال الفترة بين عامي 2015 و2018، رصد الباحثون حوالي 86 مليار ذرة من الذهب نتيجة هذه التصادمات، أي ما يعادل 29 تريليون من الغرام الواحد (1/29 تريليون غرام).

لكن هذه الذرات كانت غير مستقرة، حيث رصد الباحثون بقاءها لمدة ميكروثانية واحدة فقط قبل أن تصطدم بمكونات المصادم أو تتكسر إلى جزيئات أخرى.

أهمية الدراسة ومستقبل البحث

تكمن أهمية هذه الدراسة في كونها الأولى التي ترصد إنتاج ذرات الذهب وتحللها معمليًا بفضل وجود جهاز مخصص للكشف عن هذه الذرات الضئيلة الكم، بحسب عالمة الفيزياء النووية الروسية بوليانا دمتريفا.

يرى الدكتور بهران أن هذه التجربة تمثل خطوة جديدة نحو فهم عالمنا بشكل أفضل من خلال الكشف عن المزيد من أسرار علم الفيزياء.

ويضيف: "استنادًا إلى هذا البحث، يمكن استكشاف عدة اتجاهات محتملة مستقبلًا، منها تحسين النماذج النظرية لفهم انبعاث البروتون في هذه التصادمات، سواء بالأعمال النظرية الأساسية أو المحاكاة."

ويوضح الدكتور بهران أنه "يمكن أيضًا إجراء مزيد من التجارب التي تتضمن تصادمات مماثلة باستخدام طاقات مختلفة أو أنواع مختلفة من النوى، لمعرفة كيفية تغير أنماط انبعاث البروتون، وقد يسهم البحث في تطور فهمنا للفيزياء الفلكية."

من الخيمياء إلى الفيزياء الحديثة: حلم يتحقق

تعود محاولات تحويل المعادن إلى العصور القديمة، حيث مارسها الخيميائيون الذين اعتمدوا على المزج بين التجريب والفلسفة. ظهرت هذه الممارسات في مصر القديمة واليونان، ثم في الدولة الإسلامية، قبل أن تصل إلى أوروبا في القرن الثاني عشر.

حاول الخيميائيون تحويل المعادن إلى ذهب عبر مزج المواد وتسخينها، في محاولات كانت بمثابة الخطوات الأولى نحو علم الكيمياء الحديث.

بالإضافة إلى إنتاج الذهب، حلم الخيميائيون بالوصول إلى "حجر الفيلسوف" الذي اعتقدوا أنه سيمنحهم الشباب والصحة الأبديين، وهو حلم لم يتحقق.

واليوم، بعد قرون من المحاولات، تحقق جزء من هذا الحلم بفضل التقدم العلمي الهائل في مجال فيزياء الجسيمات، ليثبت أن العلم قادر على تحقيق ما كان يُعتبر مستحيلاً في الماضي.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *