مقدمة: البحث عن أرشيف خفي للمحيطات
تُعد مياه ألاسكا موطناً لأهم مصايد أسماك السلمون في العالم، وهي منظومة حيوية تدعمها شبكات غذائية بحرية معقدة. ومع تسارع وتيرة التغير المناخي، يسعى العلماء جاهدين لفهم كيفية استجابة هذه النظم للتحولات البيئية. ومع ذلك، تظل العقبة الكبرى هي ندرة العينات التاريخية الموثوقة التي تعود لعقود مضت، والتي يمكن استخدامها كخط أساس للمقارنة.
في محاولة لسد هذه الفجوة المعرفية، لجأ فريق بحثي بقيادة الدكتورة ناتالي ماستيك، الباحثة في متحف بيبودي للتاريخ الطبيعي بجامعة ييل، إلى مصدر غير تقليدي للبيانات الإيكولوجية: علب السلمون المحفوظة منذ أربعين عاماً. وتؤكد ماستيك على ضرورة «توسيع آفاق التفكير والابتكار فيما يمكن اعتباره مصدراً للبيانات البيئية» لاستكشاف ماضي كوكبنا.
المنهجية: تشريح «الأرشيف المعلب»
خلال فترة عملها في جامعة واشنطن، قامت ماستيك وفريقها بفحص 178 علبة من السلمون تم جمعها على مدار 42 عاماً (منذ عام 1979 وحتى 2021) من خليج ألاسكا وخليج بريستول. شملت العينات أربعة أنواع من السلمون: السلمون الوردي (Pink)، وسلمون كيثا (Chum)، وسلمون كوهو (Coho)، وسلمون سوكاي (Sockeye).
اعتمدت المنهجية على فتح العلب وتشريح شرائح السمك المحفوظة بعناية، وذلك لإحصاء طفيليات دقيقة تُعرف باسم «أنيساكيدس» (Anisakids)، أو ما يُطلق عليه شعبياً «ديدان السوشي». وبالرغم من أن عملية التعليب تقضي على هذه الطفيليات وتجعلها غير ضارة عند الاستهلاك، إلا أن هياكلها تظل محفوظة بشكل كافٍ يسمح للعلماء بدراستها مجهرياً. استخدم الباحثون المجهر التشريحي لفصل أنسجة الأسماك وإحصاء الطفيليات التي لا يتجاوز طولها سنتيمتراً واحداً وتوجد عادةً ملتفة داخل عضلات السمكة.
الأهمية العلمية: الطفيليات كمؤشر على الصحة الحيوية
قد يبدو وجود الديدان في الأسماك أمراً مثيراً للقلق للوهلة الأولى، لكن من منظور علم البيئة البحري، فإن الأمر يحمل دلالات مغايرة تماماً. توضح تشيلسي وود، الأستاذة المشاركة في علوم الأسماك بجامعة واشنطن، أن دورة حياة طفيليات الأنيساكيد «تتكامل مع العديد من مكونات الشبكة الغذائية».
تعتمد هذه الطفيليات في دورة حياتها على عدة عوائل؛ فهي تبدأ ككائنات حرة في المحيط، ثم تبتلعها القشريات الصغيرة مثل الكريل، وتنتقل صعوداً في السلسلة الغذائية عندما تتغذى الأسماك الصغيرة على الكريل، ثم السلمون على تلك الأسماك، وصولاً إلى الثدييات البحرية (مثل الفقمات والحيتان) حيث تتكاثر هناك. لذا، فإن وفرة هذه الطفيليات تعني أن جميع حلقات السلسلة الغذائية—بما في ذلك الثدييات البحرية—موجودة وتعمل بكفاءة.
أظهرت النتائج المنشورة في دورية Ecology & Evolution زيادة ملحوظة في مستويات الأنيساكيد في السلمون الوردي وسلمون كيثا بين عامي 1979 و2021. ويرجح الباحثون أن هذا الارتفاع يعود بشكل أساسي إلى «قانون حماية الثدييات البحرية» لعام 1972، الذي سمح بتعافي أعداد الفقمات وأسود البحر والحيتان القاتلة، مما وفر للطفيليات بيئة مثالية لإتمام دورة حياتها والتكاثر.
الآفاق المستقبلية: دروس من الماضي لاستشراف المستقبل
تفتح هذه الدراسة آفاقاً جديدة لاستخدام الأرشيفات الغذائية المهملة في الأبحاث العلمية. فكما استُخدم السلمون المعلب، يعتقد الباحثون أن الأغذية المحفوظة الأخرى، مثل السردين المعلب، قد توفر نافذة فريدة على النظم البيئية الماضية التي لا نملك عنها سجلات كافية.
بينما أظهرت بعض أنواع السلمون (مثل كوهو وسوكاي) استقراراً في مستويات الطفيليات دون زيادة، يرى العلماء أن هذا قد يعود إلى تدمير ميزات التعرف الدقيقة للطفيليات أثناء عملية التعليب، مما يجعل من الصعب تحديد أي سلالة من الأنيساكيد هي التي تأثرت. ومع ذلك، يظل هذا النهج الإبداعي في جمع البيانات درساً مهماً في كيفية الربط بين الصناعات الغذائية والبحث الأكاديمي لفهم التحولات العميقة التي تطرأ على محيطاتنا، مما يساهم في وضع استراتيجيات أكثر دقة لحماية التنوع البيولوجي البحري في ظل التحديات المناخية الراهنة.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً