عُري الحضارة الغربية: هل انتهى عصر مدنية الرجل الأبيض؟

# عُري مدنية الغرب: قراءة في السقوط الأخلاقي وحتمية البديل الإسلامي

استشراف مبكر: نبوءة سيد قطب وأفول الريادة

في عام 1962، وبينما كان العالم مبهوراً ببريق الآلة الغربية وصعود القوى العظمى، خطّ المفكر سيد قطب -رحمه الله- في كتابه الفذ “المستقبل لهذا الدين” كلمات لم تكن مجرد تحليل سياسي عابر، بل كانت رؤية استشرافية نفذت إلى جوهر الأشياء. قرر يومها، بجرأة إيمانية لافتة، أن شمس الحضارة الغربية قد آذنت بالغروب، وأن ما يُعرف بـ “مدنية الرجل الأبيض” قد استنفدت أغراضها وانتهى دورها في قيادة القافلة البشرية.

لم يكن هذا الحكم نابعاً من عاطفة دينية مجردة، بل من استقراء لسنن الله في الكون؛ فالمدنية التي تفتقر إلى الروح، وتتخلى عن القيم الأخلاقية في سبيل المادة، تحمل بذور فنائها في أحشائها. لقد أعلن قطب أن هذه الحضارة قد أفلست أخلاقياً، وأن رصيدها الإنساني قد نفد تماماً، ولم تعد ذاتها المادية -رغم ضخامتها- ولا دعاويها القيمية -رغم بريقها- صالحة لحمل أمانة الريادة العالمية التي تتطلب طهارة في اليد، ونقاءً في الضمير، وعدلاً لا يفرق بين الأجناس.

سقوط الأقنعة: حين تتهاوى مساحيق الحداثة

وها قد دار الزمان دورته، وجاءت الوقائع لتقول كلمتها الفصل. لم نعد بحاجة إلى نظريات لإثبات زيف الشعارات الغربية، فالواقع اليوم يتكفل بنزع الأغطية وفضح ما كان يُدارى تحت مساحيق براقة من شعارات الحرية، وحقوق الإنسان، والكرامة الكونية. إن هذه القيم التي صُدعت بها رؤوسنا لعقود، تهاوت عند أول اختبار حقيقي للضمير الإنساني، وظهر من خلفها وجه آخر؛ وجه خشن، عدواني، مادي بامتياز.

إن المتأمل في حال العالم اليوم يدرك أن الحضارة الغربية لا تتورع عن الافتراس حين تنتفي الرقابة، ولا تتحرج من الإجرام حين تُطفأ الأضواء. لقد قُدمت لنا هذه الحضارة بوصفها “سفينة النجاة” وقائدة العالم بالحكمة والرشد، بل إن البعض من بني جلدتنا ذهب بعيداً في تمجيدها حتى اعتبرها عنواناً للأمن والسلام المطلق. لكن الحقيقة المرة التي تتكشف يوماً بعد يوم، هي أن هذا النظام العالمي يقوم على ازدواجية معايير مقيتة، حيث تُحترم الحقوق فقط حين تخدم المصالح، وتُداس بالأقدام حين تتعارض مع أهواء القوى المهيمنة.

مستنقع “إبستين” والفساد المؤسسي

لم تكن التسريبات الأخيرة، وعلى رأسها فضائح “إبستين” المدوية، مجرد حوادث عابرة أو انحرافات فردية يمكن غض الطرف عنها. إنها في الحقيقة نافذة كاشفة على عمق المستنقع القيمي الذي تتردى فيه النخب الغربية. حين تتحول القوة إلى غطاء للانحلال، وتصبح الشعارات الأخلاقية مجرد نفاق مؤسسي يُمارس في العلن بينما تُرتكب أبشع الجرائم في الخفاء، فنحن أمام حضارة تحتضر أخلاقياً.

إن ملف إبستين وما كشفه من تورط شخصيات نافذة في جرائم أخلاقية كبرى، يثبت أن الانحلال لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من نسيج المنظومة التي طالما قُدمت لنا باعتبارها “ضمير العالم”. إن هذا السقوط المريع يضع البشرية أمام سؤال مصيري: كيف يمكن لمن يعجز عن حماية براءة الطفولة في دهاليزه الخاصة أن يكون مؤتمناً على حقوق الإنسان في أصقاع الأرض؟

الصمت المريب وازدواجية النخب المحلية

ولعل من أعجب العجب في هذا المشهد، هو ذلك الصمت المريب الذي خيّم على الأصوات الحقوقية والنخبوية الحداثية في عالمنا العربي والإسلامي. تلك الأصوات التي كانت تملأ الفضاء ضجيجاً وشغباً في قضايا بعينها، وتخوض المعارك الخطابية الحامية حول حماية الطفولة ومناهضة العنف، وجدناها اليوم تنكفئ على نفسها أمام السيل العرم من التسريبات غير الأخلاقية.

أين ذهبت تلك الأصوات الحداثية، نسوانية كانت أم ذكرانية؟ ولماذا هذا التلعثم والانتكاسة أمام فضائح المنظومة الغربية؟ إن هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا بوصفه أزمة عميقة في ميزان القيم لدى هذه النخب. فالحق عندهم ليس حقاً لذاته، والجريمة ليست جريمة بذاتها، بل يُقاس كل شيء بميزان الانتماء والمصلحة والتبعية الفكرية. إنهم يخشون نقد “القبلة الحداثية” التي يتوجهون إليها، حتى لو انغمست في وحل الرذيلة.

الاستعصاء الحضاري والحاجة إلى بديل

إن البشرية اليوم تعيش حالة من الاستعصاء الحضاري؛ فالمناخ العام موبوء بالمادية المفرطة، والظلم الاجتماعي، والتفسخ الأسري. وفي خضم هذا التيه، يتطلع جنس الإنسان -بوعي أو بغير وعي- إلى نموذج قيادي جديد يعيد للعدل معناه الحقيقي غير المزيف، وللإنسان قيمته التي أرادها الله له، وللأخلاق سلطانها على القوة.

إن التوق إلى استبدال هذا النموذج الغربي المتهالك ليس نزوة أيديولوجية، ولا حنيناً رومانسيّاً إلى الماضي، بل هو ضرورة تفرضها الوقائع وتمليها الفطرة الإنسانية السوية التي ترفض الاستعباد المادي والافتراس الحيواني. إن العالم يصرخ طلباً للإنقاذ، فالمادية الجافة قد أورثت القلوب قسوة، وأورثت المجتمعات شتاتاً.

الإسلام: المشروع الأخلاقي المتكامل

وهنا يبرز الإسلام العظيم، لا بوصفه مجرد دين طقوسي، بل باعتباره مشروعاً أخلاقياً وحضارياً متكاملاً. إن الإسلام هو الوحيد القادر على الموازنة بين الروح والمادة، وبين الحرية والمسؤولية. إنه يؤسس لقيادة قوامها العدل المطلق الذي لا يحابي أحداً، والكرامة الإنسانية التي لا تُباع ولا تُشترى.

إن الإسلام يقدم مفهوم “الاستخلاف”؛ وهو القيام بأمر الله في الأرض وفق منهج طاهر نظيف، يترفع عن الدنايا ويحفظ الحرمات. ليس الإسلام مشروع هيمنة واستعلاء كما تفعل الحداثة الغربية، بل هو مشروع رحمة للعالمين. إنه القوة التي تضبط الشهوة، والعدل الذي يكبح جماح الطغيان.

حتمية العودة إلى أفق الاستخلاف

إن هذا العبث القيمي الذي يشهده العالم اليوم لا يمكن أن يستمر. وكما قرر المنصفون، فإن البديل الإسلامي قادم لا محالة، ليس بالإكراه أو بقوة السلاح، ولكن بقدرته الفائقة على إقناع العقول الحائرة، وتسكين النفوس القلقة، وانتشال الإنسان من وحل الافتراس الغربي وماخورية الحداثة المزيفة.

إن العودة إلى منهج الله هي المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم. فالحضارة التي تفقد بوصلتها الأخلاقية هي حضارة ميتة وإن بدت قوية في ظاهرها، والعالم الذي تُدار فيه القيم بمنطق القوة الحيوانية المتوحشة هو عالم آيل للسقوط.

ختاماً، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من حضارة فقدت روحها، ومن عالم ضل سعيه وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. ونسأله سبحانه أن يجعلنا من شهود ميلاد العدل من جديد، ومن العاملين على إرساء قيم الاستخلاف الطاهر، لنخرج البشرية من ضيق المادية إلى سعة الإيمان، ومن جور الأديان والنظم الوضعية إلى عدل الإسلام وجماله. إن الفجر قادم، وإن غداً لناظره قريب.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *