فقه السيادة الرقمية وحماية الخصوصية: تأصيل شرعي لملكية البيانات في عصر الخوارزميات العابرة للحدود

مقدمة: الإنسان في مهبّ الثورة الرقمية

نعيش اليوم في عصرٍ لم تعد فيه الحدود الجغرافية هي العائق الوحيد أمام السيادة، بل برزت “البيانات” كنفطٍ جديد ومحركٍ أساسي للاقتصاد والسياسة والاجتماع. وفي ظل هيمنة الأنظمة الخوارزمية العابرة للحدود، تحول الإنسان من كائن مكرّم إلى مجموعة من النقاط والبيانات (Data Points) التي تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة الرقمية. ومن هنا، كان لزاماً على الفقه الإسلامي، بمرونته وشموليته، أن يدلي بدلوه في هذا الفضاء المستحدث، ليضع ضوابط “السيادة الرقمية” ويؤصل لـ “فقه الخصوصية المعلوماتية”، انطلاقاً من مقاصد الشريعة الغراء التي جاءت لحفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

أولاً: مفهوم السيادة الرقمية في ضوء المقاصد الشرعية

السيادة في المنظور الإسلامي ليست مجرد تسلط، بل هي “ولاية” تهدف إلى تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم. والسيادة الرقمية تعني قدرة الأمة والأفراد على التحكم في مصيرهم الرقمي، وبياناتهم، وبنيتهم التحتية المعلوماتية، دون ارتهان لإرادات خارجية قد تستغل هذه البيانات للإضرار بكيان الأمة أو عقيدتها.

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء: 141). استنبط العلماء من هذه الآية قاعدة “نفي السبيل”، وهي قاعدة جوهرية في تأصيل السيادة الرقمية؛ فترك البيانات الضخمة (Big Data) للأمة الإسلامية تحت رحمة خوارزميات لا تراعي قيمنا الأخلاقية، هو نوع من “السبيل” الذي يجب سدّه عبر تشريعات تقنية وفقهية تحمي الخصوصية وتضمن الاستقلال.

ثانياً: التكييف الفقهي لملكية البيانات الشخصية

هل البيانات الشخصية مجرد معلومات عابرة، أم أنها “مال” متقوم شرعاً؟ يذهب الاتجاه الفقهي المعاصر إلى أن المعلومات والبيانات الرقمية تندرج تحت مفهوم “الأموال المعنوية” أو “الحقوق المالية”. فالبيانات اليوم لها قيمة تبادلية ضخمة، وهي جزء من جهد الإنسان وخصوصيته.

1. البيانات كحرمة شرعية:

الإسلام أحاط خصوصية الفرد بسياج منيع، فالأصل في الإنسان الستر والحرمة. يقول النبي ﷺ: “كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دمُه، ومالُه، وعِرضُه” (رواه مسلم). والبيانات الرقمية هي المعادل المعاصر لـ “العرض والمال”، فكشفها بغير حق هو انتهاك للستر، واستغلالها تجارياً بغير إذن هو اعتداء على حق مالي.

2. مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”:

تعتبر قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” هي الضابط الأكبر لتداول البيانات. فإذا كان جمع البيانات يؤدي إلى التلاعب بسلوك المستهلكين، أو التجسس على خصوصياتهم، أو توجيه الرأي العام بما يضر بمصالح المجتمع، فإن هذا الجمع والتدوير يصبح محرماً شرعاً لكونه وسيلة لضرر محقق.

ثالثاً: الخصوصية المعلوماتية في مواجهة التجسس الرقمي

لقد نهى الإسلام صراحة عن التجسس وتتبع العورات، وهي قيم تمثل صلب “حماية الخصوصية” في العصر الرقمي. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا} (الحجرات: 12).

  • حرمة الاختراق الرقمي: يُعد الدخول غير المصرح به لقواعد البيانات أو الحسابات الشخصية نوعاً من التجسس المحرم، بل قد يصل إلى حد “الغصب” في الفقه الإسلامي.
  • التوافق على الشروط: عقود “الخدمة” التي نوافق عليها في التطبيقات يجب أن تكون واضحة ومبنية على التراضي الحقيقي، لا على الإذعان؛ فالقاعدة الفقهية تقول: “المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً”، وأي شرط مجهول أو غامض يتيح انتهاك الخصوصية قد يبطل شرعية العقد من الناحية الأخلاقية.

رابعاً: هيمنة الخوارزميات العابرة للحدود والتبعية الرقمية

تمثل الأنظمة الخوارزمية الكبرى شكلاً من أشكال “السلطة الخفية” التي تتجاوز حدود الدول. ومن الناحية الشرعية، هناك مخاوف من “الظلم الخوارزمي” (Algorithmic Bias)، حيث قد تُبرمج هذه الأنظمة للتمييز ضد قيم معينة أو فئات معينة.

إن مواجهة هذه الهيمنة تتطلب “جهاداً تقنياً” يتمثل في بناء منصات وطنية وإسلامية تحترم القيم والخصوصية، وتعمل وفق ضوابط العدل والمساواة التي أمر بها الإسلام: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: 58).

خامساً: الضوابط الشرعية لتداول البيانات وضمان السيادة

لتحقيق توازن بين التطور التقني والضوابط الشرعية، يجب مراعاة الآتي:

  • الشفافية والبيان: يجب على الشركات توضيح الغرض من جمع البيانات بلسان عربي مبين، فالمؤمنون عند شروطهم.
  • حق المحو والنسيان: للإنسان حق شرعي في استرداد خصوصيته ومسح بياناته إذا رغب في ذلك، قياساً على حق الرجوع في الإذن بالانتفاع.
  • الأمن السيبراني كضرورة شرعية: حماية البيانات من التسريب ليست مجرد خيار تقني، بل هي واجب شرعي يقع على عاتق المؤسسات، تفادياً لوقوع الضرر على الناس.

خاتمة: نحو ميثاق أخلاقي رقمي إسلامي

إن “فقه السيادة الرقمية” ليس مجرد رد فعل على تطور تقني، بل هو استشراف لمستقبل تكون فيه البيانات هي المحرك الأول للوجود الإنساني. إن حماية الخصوصية المعلوماتية هي حماية لكرامة الإنسان التي وهبها الله له: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.

خلاصة القول، إن السيادة الرقمية تبدأ من الوعي الفقهي والقانوني، وتكتمل بالامتلاك التقني. وعلى المجتمعات الإسلامية أن تدرك أن بياناتها هي أمانة في أعناقها، وأن حمايتها من تغول الخوارزميات العابرة للحدود هو جزء من حفظ “بيضة الإسلام” وصيانة كيان الأمة في هذا الفضاء الفسيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *