مقدمة: السكينة بين التنزيل الإلهي والتكوين الفطري
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ليكون للعالمين نذيراً، وجعل فيه شفاءً لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين. إن مفهوم ‘السكينة’ في المنظور الإسلامي ليس مجرد حالة شعورية عابرة، بل هو ركن أصيل من أركان الاستقرار الإيماني، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4]. ومن منظور العلم الحديث، تتجلى هذه السكينة كحالة من التوازن الفيزيولوجي الدقيق الذي يربط بين الروح والجسد، حيث يعمل التدبر القرآني كمحفز حيوي لضبط العمليات الحيوية المعقدة داخل الكيان البشري.
أولاً: التدبر القرآني.. بوابة الاستقرار العصبي
إن عملية التدبر (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) [ص: 29] تتجاوز القراءة اللسانية إلى إعمال الفكر والقلب. علمياً، يؤدي هذا الانغماس الروحي إلى تنشيط ‘الجهاز العصبي الباراسمبثاوي’ (Parasympathetic Nervous System)، وهو المسؤول عن حالة الراحة والترميم في الجسد.
عندما ينصت المؤمن للقرآن بخشوع، يتباطأ إيقاع موجات الدماغ، مما يقلل من حدة استجابة ‘الكر والفر’ (Fight or Flight) التي تسيطر على الإنسان في حالات التوتر. هذا التحول العصبي يؤدي مباشرة إلى خفض معدل ضربات القلب وانتظام التنفس، مما يحقق مصداق قوله تعالى: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: 23].
ثانياً: ضبط المحور العصبي الهرموني (HPA Axis)
يعتبر المحور (الوطائي-النخامي-الكظري) هو المسؤول الأول عن إدارة الضغوط في جسم الإنسان. في حالات القلق المستمر، يفرز هذا المحور كميات هائلة من الكورتيزول والأدرينالين، مما ينهك أجهزة الجسم.
أثر التدبر في خفض هرمونات التوتر:
- خفض الكورتيزول: أثبتت الدراسات أن الروحانية العالية والذكر الدائم يقللان من مستويات الكورتيزول المزمن، مما يحمي الجسم من الالتهابات وأمراض القلب.
- تعزيز هرمونات السعادة: الارتباط الوجداني بالقرآن يحفز إفراز ‘الإندورفين’ و’السيروتونين’، وهي الموصلات العصبية التي تمنح شعوراً طبيعياً بالرضا والسكينة.
- هرمون الأوكسيتوسين: شعور القرب من الله والارتباط بكلامه يعزز إفراز هرمون المحبة والترابط، مما يزيل مشاعر الاغتراب والقلق الوجودي.
ثالثاً: القلب كمركز للتعقل والضبط الحيوي
لطالما أشار القرآن الكريم إلى القلب كمركز للإدراك (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) [الحج: 46]. واليوم، يتحدث علم ‘الفيزيولوجيا العصبية للقلب’ عن وجود ‘مخ صغير’ داخل القلب يحتوي على آلاف الخلايا العصبية التي تتبادل الرسائل مع الدماغ.
عند ممارسة التدبر، يحدث ما يسمى بـ ‘الاتساق القلبي’ (Cardiac Coherence)، حيث يصبح إيقاع ضربات القلب منتظماً ومتناغماً جداً. هذا التناغم يرسل إشارات إلى مراكز الدماغ العليا المسؤولية عن التفكير المنطقي والعاطفي، مما يؤدي إلى حالة من الوضوح الذهني والسلام الداخلي. إنها الحالة التي وصفها النبي ﷺ بقوله: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” [رواه البخاري ومسلم].
رابعاً: التحقيق الفيزيولوجي للتوازن الاستتبابي (Homeostasis)
الاستتباب هو قدرة الجسم على الحفاظ على بيئة داخلية مستقرة رغم التغيرات الخارجية. التدبر القرآني، بما يوفره من طمأنينة (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]، يعمل كمنظم حيوي (Bio-regulator) لهذا التوازن:
- تعزيز المناعة: من خلال تقليل الإجهاد التأكسدي الناتج عن الانفعالات السلبية، مما يقوي خطوط الدفاع الجسدية.
- الضبط الأيضي: السكينة تساعد في تنظيم مستويات السكر في الدم وضغط الشرايين، حيث أن الهدوء النفسي يقلل من الاستثارة السمبثاوية الدائمة.
- جودة النوم والترميم: السكينة القرآنية تهيئ الدماغ للدخول في مراحل النوم العميق، وهي الفترة التي يتم فيها ترميم الخلايا وتجديد الأنسجة.
خامساً: كيف نحقق هذه السكينة؟ (خطوات عملية)
للوصول إلى هذه الحالة الفيزيولوجية الراقية، لا بد من اتباع منهجية قرآنية في التعامل مع النص الشريف:
- الترتيل الهادئ: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: 4]، فالترتيل يساعد على ضبط إيقاع التنفس، وهو مفتاح الدخول إلى الجهاز العصبي الباراسمبثاوي.
- تفريغ المحل: لا يدخل نور السكينة قلباً مشغولاً بغير الله. ابدأ بتهيئه المكان والقلب قبل القراءة.
- التكرار المؤثر: كان النبي ﷺ يكرر الآية الواحدة حتى الصباح لشدة تأثره، وهذا التكرار يعمق المسارات العصبية المرتبطة بالمعنى الروحاني.
خاتمة: الشفاء الشامل
إن السكينة القلبية التي يمنحها القرآن الكريم ليست مجرد تعزية روحية، بل هي نظام متكامل لإعادة ضبط المصنع البشري. إنها الرحمة الإلهية التي تتنزل لتغسل خلايا الجسد من سموم التوتر، وتعيد الروح إلى بارئها في حالة من الرضا والتسليم. وما نزلت السكينة على قوم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، وهذا هو عين الشفاء الذي وعد الله به: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: 82].
اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وارزقنا سكينة الإيمان وطمأنينة الإحسان.

اترك تعليقاً