إنجاز سينمائي تاريخي: فيلم صوت هند رجب في القائمة النهائية للأوسكار
في خطوة تعزز حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، نجح فيلم صوت هند رجب للمخرجة التونسية العالمية كوثر بن هنية في الوصول إلى القائمة النهائية لجوائز الأوسكار الـ98 ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي. ويعد هذا الإنجاز تتويجاً لمسيرة العمل الذي استطاع تحويل مأساة إنسانية إلى وثيقة فنية عالمية ترفض النسيان وتواجه العجز بالسينما.
من الاستغاثة إلى الشاشة: كيف ولدت الفكرة؟
بدأت رحلة الفيلم عندما استمعت المخرجة كوثر بن هنية، المرشحة سابقاً للأوسكار مرتين، إلى التسجيل الصوتي المسرب للطفلة هند رجب، البالغة من العمر ست سنوات، وهي تستغيث من داخل سيارة محاصرة في مدينة غزة عام 2024. كلمات هند: “إنهم يطلقون النار عليّ.. أرجوكم أنقذوني”، كانت المحرك الأساسي لبن هنية التي أوقفت تصوير مشروعها القائم فوراً لتوثيق هذه اللحظة التاريخية المؤلمة.
صرحت بن هنية لوسائل إعلام دولية قائلة: “كنت غاضبة وحزينة وشعرت بالعجز. سألت نفسي: ماذا يمكنني أن أفعل كمخرجة؟ فكان القرار بصناعة هذا الفيلم لنشهد على ما حدث، ولأن الصمت في هذه الحالة يعتبر تواطؤاً”.
القصة الحقيقية: مأساة تل الهوى وتحقيقات الهندسة الجنائية
يسرد فيلم صوت هند رجب تفاصيل الحادثة التي وقعت في حي تل الهوى، حيث تعرضت سيارة عائلة هند لنيران الدبابات الإسرائيلية أثناء محاولتهم النزوح. الفيلم يركز على الجانب الإنساني والدرامي من خلال مركز اتصال الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، وتحديداً المتطوعين الذين ظلوا على الخط مع هند لساعات طويلة في محاولة يائسة لتهدئتها.
ورغم ادعاءات الجيش الإسرائيلي الأولية بعدم تواجده في المنطقة، إلا أن الفيلم يستند إلى تحقيقات مستقلة أجرتها منظمة “إيرشوت” ووكالة “الهندسة الجنائية” وقناة الجزيرة، والتي أكدت أن الأضرار التي لحقت بسيارة العائلة وسيئة الإسعاف التي هرعت لإنقاذها تتطابق تماماً مع قذائف الدبابات الإسرائيلية، مما أدى في النهاية إلى استشهاد هند وعائلتها وطاقم الإسعاف.
أسلوب إخراجي مثير للجدل وإشادة نقدية واسعة
اعتمدت بن هنية في فيلمها أسلوباً يمزج بين الوثائقي والدراما، حيث استخدمت التسجيلات الصوتية الحقيقية لنداءات الاستغاثة مع مشاهد تمثيلية يؤديها ممثلون فلسطينيون (معتز ملحيس، عامر حليحل، سجا كيلاني، وكلارا خوري). هذا المزج أثار نقاشات نقدية واسعة؛ فبينما أشادت صحيفة “الغارديان” بـ “البراعة الاستفزازية” للفيلم، وصفت صحيفة “التلغراف” العمل بأنه يتجاوز الصدمة ليطرح معضلة أخلاقية فلسفية على المشاهد.
الممثل معتز ملحيس، الذي جسد دور عامل المقسم، وصف التجربة بأنها كانت قاسية لدرجة الإصابة بنوبات هلع أثناء التصوير، مشيراً إلى أن المشاهد لم تكن مجرد تمثيل بل كانت محاكاة حقيقية للألم.
دعم هوليوودي وحضور عالمي في المهرجانات
لم يكتفِ الفيلم بصدق روايته، بل حظي بدعم كبير من نجوم هوليوود الذين انضموا كمنتجين تنفيذيين، وعلى رأسهم جواكين فينيكس، روني مارا، وبراد بيت. وقد شهد العرض الأول للفيلم في مهرجان البندقية السينمائي تصفيقاً حاراً استمر لـ 23 دقيقة متواصلة، محققاً جائزة لجنة التحكيم الكبرى.
كما توج الفيلم بجوائز عديدة في مهرجانات قرطاج، والدوحة، والقاهرة، وغنت البلجيكية، مما عزز من فرص وصوله إلى منصة التتويج في الأوسكار. تؤكد كوثر بن هنية في ختام حديثها أن الهدف الأسمى من فيلم صوت هند رجب هو تخليد اسم الطفلة وضمان ألا يشيح العالم بنظره عن الحقيقة، قائلة: “هذه ليست مجرد قصة، إنها صناعة للتاريخ”.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً