كنوز الليل: كيف تفوز بمسابقة كل ليلة وتنال عتقاً من النار؟

# كنوز الليل: مسابقة ربانية وجوائز لا تنفد

الحمد لله الذي جعل الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على إمام المتهجدين، وسيد الراكعين والساجدين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

في عالمنا المعاصر، كثر ضجيج المسابقات، وتعددت ألوان الجوائز، وتسابق الناس في ميادين شتى؛ فمنهم من يركض خلف حطام الدنيا الزائل، ومنهم من يمني النفس بفوز قريب في مسابقة دنيوية عابرة. ولكن، هل فكرت يوماً في تلك المسابقة التي تُقام كل ليلة؟ هل سمعت عن الكنز العظيم الذي يُعرض في جوف الليل حين تنام العيون ويهدأ الكون؟

إنني أحدثكم اليوم عن فوز من نوع خاص، عن ربح مضاعف بلا حصر، وعن جائزة تهفو إليها نفوس الصالحين، وتشرئب إليها أعناق الموحدين. إنها مسابقة القرب من الله، حيث يكون المضمار هو المحراب، والزاد هو الإخلاص، والهدف هو جنة عرضها السماوات والأرض.

أولاً: ساعة الإجابة.. فرصة لا تعوض في كل ليلة

هل جاءك الخبر اليقين عن نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن لك في كل ليلة دعوة لا تُرد؟ تخيل حجم الخسارة حين تمر الليالي تلو الليالي وأنت غارق في نومك، أو لاهٍ في شأنك، بينما رب العزة ينادي، وأبواب السماء مفتوحة.

لقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ”.

تأمل في قوله صلى الله عليه وسلم: “وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ”؛ إنها ليست منحة موسمية، ولا جائزة سنوية، بل هي عطاء رباني يتجدد مع كل غروب شمس. إن هذا الحديث يحمل في طياته حثاً عظيماً على اغتنام ساعات الليل جميعها، فالمؤمن الفطن لا يفرط في هذه الساعة، بل يتحراها بالدعاء، والتضرع، والانطراح بين يدي الله عز وجل، رجاء أن تصادفه تلك اللحظة المباركة التي تتغير فيها الأقدار، وتُقضى فيها الحاجات.

كم من الليالي ضاعت في القيل والقال؟ وكم من الساعات ذهبت هباءً منثوراً؟ إن المحروم حقاً هو من علم أن ربه ينادي: “هل من سائل فأعطيه؟” ثم آثر النوم والكسل على مناجاة ملك الملوك.

ثانياً: عتقاء رمضان.. حين تُفتح أبواب الجنان

وإذا كان فضل الليل عظيماً في كل وقت، فإنه في رمضان يزداد نوراً على نور، وبهاءً على بهاء. هل بلغك الخبر عمن يُعتقون من النار في كل ليلة من هذا الشهر الكريم؟ إنها الجائزة الكبرى التي يسعى إليها كل مشفق على نفسه من عذاب الله.

روى الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ”.

يا باغي الخير أقبل! هذا نداء السماء في كل ليلة رمضانية. إن الله عز وجل، بجوده وكرمه، يختار في كل ليلة ثلة من عباده ليحرر رقابهم من النار. فهل بادرت بما يؤهلك لتكون من هؤلاء؟ هل تذللت لربك؟ هل بكيت من خشيتك؟

إن الغفلة في ليالي رمضان مصيبة كبرى، ففي الوقت الذي يتسابق فيه الصالحون في صلاة التراويح والقيام، ويجأرون بالدعاء، قد يغفل البعض وينشغل بفضول الطعام والشراب والمشاهدة. تذكر دائماً أن الفرصة قائمة “كل ليلة”، فلا تيأس من روح الله، وأقبل عليه بقلب خاشع، عسى أن تكون من عتقائه في هذه الليلة.

ثالثاً: قيام ليلة كاملة.. أجر عظيم بجهد يسير

من رحمة الله بنا أنه ضاعف لنا الأجور، وفتح لنا أبواباً للخير لم تكن لغيرنا. ومن ذلك ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل الصلاة مع الإمام في ليالي رمضان حتى ينصرف.

روى الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال: “صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنْ الشَّهْرِ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ وَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَقَالَ إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنْ الشَّهْرِ وَصَلَّى بِنَا فِي الثَّالِثَةِ وَدَعَا أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ فَقَامَ بِنَا حَتَّى تَخَوَّفْنَا الْفَلَاحَ قُلْتُ لَهُ وَمَا الْفَلَاحُ قَالَ السُّحُورُ”.

تأمل في حرص الصحابة رضي الله عنهم على الخير، فقد تمنوا لو استمر النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بهم طوال الليل، لكن النبي الكريم أرشدهم إلى قاعدة ذهبية: “مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ”.

فيا أيها المقصر، ويا من تشتكي من طول الصلاة، ألا يستحق أجر قيام ليلة كاملة أن تصبر مع الإمام دقائق معدودة؟ إنها صفقة رابحة بكل المقاييس. فكم ليلة أدركت فيها هذا الفضل؟ وكم ليلة ضيعتها بالانصراف قبل انتهاء الصلاة؟

عوائق القيام.. لماذا نُحرم من لذة المناجاة؟

قد يتساءل البعض: لماذا نجد ثقلاً في القيام؟ ولماذا لا تستجيب أقدامنا لنداء المحراب؟ الإجابة تكمن في قلوبنا وما اقترفته أيدينا.

يقول الحسن البصري رحمه الله: “إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل”.
وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل؟ فقال كلمته المشهورة: “أقعدتكم ذنوبكم”.
وقال الفضيل بن عياض: “إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم كبلتك خطيئتك”.

إن الذنوب هي القيود التي تمنعنا من الوقوف بين يدي الله. فالملوك لا يأذنون بالخلوة بهم إلا لمن أخلص في ودهم، فكيف بملك الملوك؟ إن المعصية تولد وحشة في القلب، وتثاقلاً في البدن، وتحرم العبد من حلاوة المناجاة.

قال بعض السلف: “أذنبت ذنباً فحرمت به قيام الليل ستة أشهر”. انظر كيف كان حالهم مع الذنب الواحد، فكيف بنا ونحن نذنب في الليل والنهار؟ إن التوبة النصوح هي المفتاح الوحيد لفك تلك القيود، والعودة إلى رحاب الطاعة.

الغنيمة الباردة وحال الغافلين

يا قوام الليل، اشفعوا في النوام! ويا أحياء القلوب، ترحموا على الأموات!
إن الليل هو وقت توزيع الجوائز، ووقت تقسيم الغنائم. يقول ابن رجب الحنبلي في كتابه العظيم (لطائف المعارف): “إن الغنيمة تقسم على كل من حضر الوقعة، فيعطي منها الرجالة والأجراء والغلمان مع الأمراء والأبطال والشجعان والفرسان، فما يطلع فجر الأجر إلا وقد حاز القوم الغنيمة وفازوا بالفخر وحمدوا عند الصباح السرى، وما عند أهل الغفلة والنوم خبر مما جرى”.

هذا هو الحال؛ قومٌ قاموا وصاموا ودعوا، فطلع عليهم الفجر وقد غُفرت ذنوبهم، ورُفعت درجاتهم، وحيزت لهم الغنائم. وقومٌ آخرون غطوا في سبات عميق، لا يشعرون بما فاتهم من الفضل، ولا يدركون عظم ما ضيعوا.

إن مسابقة كل ليلة لا تزال مستمرة، والباب لا يزال مفتوحاً. فلا تكن من الذين يحمدون النوم عند الصباح، بل كن من الذين يحمدون السرى (السير ليلاً). اجعل لك نصيباً من صلاة الليل، ولو بركعات خفيفة، واجعل لك خبيئة من عمل صالح لا يعلمها إلا الله.

ختاماً، نسأل الله عز وجل بفضله ومنه وكرمه أن يوقظ قلوبنا من غفلتها، وأن يرزقنا لذة مناجاته في جوف الليل، وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم وفي كل ليلة. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تجعلنا من الغافلين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *