الهند: المختبر الأكبر لتقنيات جوجل التعليمية
في الوقت الذي يتسارع فيه دمج الذكاء الاصطناعي داخل الفصول الدراسية عالمياً، وجدت شركة “جوجل” أن الدروس الأكثر أهمية حول كيفية توسيع نطاق هذه التقنية لا تأتي من وادي السيليكون، بل من المدارس الهندية. فقد تحولت الهند إلى ميدان اختبار حاسم لشركة جوجل في مواجهة منافسة شرسة من عملاقين آخرين هما مايكروسوفت وOpenAI.
وفقاً لـ “كريس فيليبس”، نائب الرئيس والمدير العام لقطاع التعليم في جوجل، تصدرت الهند عالمياً في معدلات استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي “Gemini” (وهو نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي المتطور من جوجل) لأغراض التعلم. ويأتي هذا في ظل نظام تعليمي معقد يتسم بتنوع المناهج على مستوى الولايات، والتدخل الحكومي القوي، والتفاوت الكبير في الوصول إلى الأجهزة والاتصال بالإنترنت.
أرقام تعكس ضخامة التحدي والفرصة
يساعد حجم نظام التعليم في الهند على تفسير سبب تحولها إلى ساحة تجارب استراتيجية؛ حيث يخدم نظام التعليم المدرسي هناك حوالي 247 مليون طالب في ما يقرب من 1.47 مليون مدرسة، يدعمهم 10.1 مليون معلم. أما التعليم العالي، فيضم أكثر من 43 مليون طالب، مما يجعل محاولات إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي عملية معقدة تتطلب مرونة فائقة للتعامل مع أنظمة واسعة ولامركزية.
تغيير استراتيجية جوجل: من العالمية إلى المحلية
أحد أبرز الدروس التي تعلمتها جوجل هو أن الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يمكن طرحه كمنتج واحد محدد مركزياً. وبدلاً من بناء منتجات موحدة عالمياً، اضطرت جوجل لتصميم أدواتها بحيث تمنح المدارس والإدارات التعليمية -وليس الشركة- سلطة القرار في كيفية ومكان استخدام التقنية.
بالإضافة إلى الحوكمة، أدى التنوع الثقافي واللغوي في الهند إلى دفع جوجل نحو تبني “التعلم متعدد الوسائط” (Multimodal Learning)، الذي يدمج الفيديو والصوت والصور بجانب النصوص، للوصول إلى الطلاب بمختلف مستوياتهم التعليمية وأنماط تعلمهم، خاصة في الفصول التي لا تعتمد كلياً على القراءة والكتابة التقليدية.
المعلم أولاً.. وليس الطالب
في تحول جوهري، ركزت جوجل في تصميم أدواتها التعليمية على المعلمين كنقطة تحكم رئيسية بدلاً من التوجه مباشرة للطلاب. وشملت هذه الأدوات:
- المساعدة في تخطيط الدروس وتقييم الطلاب.
- أدوات إدارة الفصول الدراسية بكفاءة أعلى.
- برامج تدريب وطنية شملت 40 ألف معلم في مؤسسات “كيندريا فيديالايا” الحكومية.
وعلق فيليبس قائلاً: “علاقة المعلم بالطالب هي الأساس، نحن هنا لتعزيز نمو هذه العلاقة وازدهارها، وليس لاستبدالها”.
سباق تسلح تكنولوجي: OpenAI ومايكروسوفت في المشهد
لا تعمل جوجل في فراغ؛ فالسوق الهندي جذب انتباه المنافسين بقوة. بدأت شركة OpenAI في بناء قيادة محلية تركز على التعليم، وعينت “راغاف غوبتا” مديراً لقطاع التعليم في الهند ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. في المقابل، عززت مايكروسوفت شراكاتها مع مؤسسات حكومية ولاعبين بارزين في قطاع تكنولوجيا التعليم (EdTech) مثل منصة Physics Wallah (وهي واحدة من أكبر الشركات الناشئة في الهند التي تقدم دروساً بأسعار زهيدة)، لدعم التعلم القائم على الذكاء الاصطناعي.
مخاطر محتملة: التحذير من “الضمور المعرفي”
رغم الحماس التقني، حذر المسح الاقتصادي الأخير في الهند من مخاطر الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي. وأشار التقرير إلى دراسات من MIT ومايكروسوفت تفيد بأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في المهام الإبداعية والكتابية قد يؤدي إلى “ضمور معرفي” وتدهور في قدرات التفكير النقدي لدى الطلاب.
تمثل التجربة الهندية اليوم معاينة للتحديات التي ستواجه أنظمة التعليم العام عالمياً مع تعمق الذكاء الاصطناعي فيها، حيث ستصبح قضايا السيطرة، والوصول العادل، والتخصيص المحلي هي المحاور الأساسية التي ستحدد نجاح هذه التقنيات من عدمه.
المصدر: TechCrunch


اترك تعليقاً