# كيف هزموا اليأس: الاستعانة بالله في أحلك الظروف
إن الحياة الدنيا، بطبيعتها التي جبلت عليها، هي دار بلاء وامتحان، وليست دار جزاء واستقرار. وفي خضم هذه الأمواج المتلاطمة من التحديات والمحن، قد يتسلل اليأس إلى القلوب الضعيفة، ويحاول الشيطان أن يظلم الدنيا في أعين المؤمنين. ولكن، حين نطالع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، نجد المنهج النبوي المتكامل في كيفية دحر اليأس وتحويل المحنة إلى منحة، والضعف إلى قوة، وذلك عبر ركيزة أساسية واحدة هي: الاستعانة بالله.
الثبات في وجه الإيذاء: جيران السوء والابتلاء المستمر
لم تكن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مفروشة بالورود، بل كانت طريقاً محفوفاً بالمكاره والأذى. ومن أشد أنواع الأذى ذلك الذي يأتي من القريب أو الجار، حيث تضيق النفس ويشتد الكرب. لقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من صناديد قريش، لم يراعوا حق الجوار ولا حرمة الدم، بل تفننوا في إيذاء جسده الشريف ونفسه الطاهرة.
كان من هؤلاء الجيران أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي. هؤلاء النفر كانوا يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم الدوائر، ولم يسلم منهم في نهاية المطاف ويدخل في دين الله إلا الحكم بن أبي العاص.
لقد وصل بهم الخبث إلى درجة أن أحدهم كان يطرح “رحم الشاة” على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أقدس حالاته، وهو بين يدي ربه يصلي. فكان عليه الصلاة والسلام يضطر لاتخاذ حجر يستتر به منهم ليتم صلاته. إن هذا المشهد يعكس حجم الضغط النفسي والجسدي الذي تعرض له القدوة والأسوة، ومع ذلك، لم يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً، بل كان قلبه معلقاً بمن بيده ملكوت كل شيء.
حادثة “سلا الجزور”: قمة الابتلاء وذروة الصبر
تتجلى قمة المعاناة في الحادثة الشهيرة التي رواها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهي حادثة تفيض بالألم وتكشف عن مدى وحشية أعداء الإسلام في مكة. يقول ابن مسعود: “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت، وكان أبو جهل وأصحاب له جلوسًا، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟”.
في هذا الموقف، انبعث أشقى القوم، وهو عقبة بن أبي معيط، فجاء بتلك الأقذار (أمعاء الجزور وما فيها) وانتظر اللحظة التي يسجد فيها خير البشر. وعندما وضع جبهته الشريفة على الأرض خضوعاً لله، وضع عقبة ذلك الثقل القذر بين كتفيه.
يصف ابن مسعود المشهد بمرارة قائلاً: “وأنا أنظر، لا أغني شيئا عنه لو كانت لي منعة”. لقد كان الصحابة في تلك الفترة في حالة من الضعف والقلة لا تسمح لهم بدفع الأذى عن نبيهم، فجعل المشركون يضحكون ويتمايلون من شدة الضحك سخرية واستهزاءً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه.
اليقين في جوف السجود: حين تتدخل العناية الإلهية
بقي النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً، لم يقطع صلاته ولم يتزلزل يقينه، حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها – وهي في رقة صباها – فطرحت الأذى عن ظهر أبيها. وهنا يبرز الدرس العظيم؛ ففي اللحظة التي يظن فيها الظالم أنه انتصر، وفي اللحظة التي يشتد فيها الضيق على المؤمن، يأتي الفرج.
رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، ولم يواجههم بالسب أو الشتم، بل لجأ إلى القوة التي لا تُقهر، لجأ إلى ملك الملوك. قال صلى الله عليه وسلم بصوت ملؤه اليقين: «اللهم عليك بقريش» (ثلاث مرات).
لقد وقعت هذه الكلمات على مسامع المشركين كالصاعقة؛ فشق ذلك عليهم لأنهم كانوا يعلمون يقيناً أن الدعوة في ذلك البلد (مكة) مستجابة. ثم بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية رؤوس الكفر واحداً تلو الآخر: «اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط».
من بطن مكة إلى قليب بدر: نهاية الظالمين
إن هزيمة اليأس لا تأتي فقط بالصبر السلبي، بل باليقين الإيجابي بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن الظلم له نهاية محتومة. يقسم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو الشاهد على الواقعتين، قائلاً: “فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعي في قليب بدر”.
تلك الرؤوس التي تطاولت في مكة، وتلك النفوس التي ضحكت استهزاءً بالنبي الساجد، انتهى بها المطاف جثثاً هامدة في بئر بدر. لقد استجاب الله دعوة نبيه، وأراه وأرى أصحابه مصارع الظالمين، ليكون ذلك شفاءً لصدور قوم مؤمنين، وبرهاناً ساطعاً على أن الاستعانة بالله هي السلاح الذي لا يخيب.
كيف نهزم اليأس في حياتنا المعاصرة؟
إن قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع أذى قريش ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي دستور عملي لكل مؤمن يواجه ضغوط الحياة أو ظلم العباد. إليك خطوات عملية لهزيمة اليأس مستوحاة من هذا النهج:
1. الاستعانة بالله أولاً وأخيراً: حين تضيق بك السبل، تذكر أن الله يسمع نجواك ويرى مكانك. الاستعانة بالله ليست كلمة تقال باللسان، بل هي تفويض كامل للأمر إليه سبحانه.
2. الصبر الجميل: الصبر ليس مجرد تحمل، بل هو ثبات القلب مع الرضا بقدر الله. انظر كيف ظل النبي ساجداً ولم يضطرب، لأن صلته بالله كانت أقوى من أذى البشر.
3. سلاح الدعاء: لا تستهن أبداً بقدرة الدعاء. إن السهام التي تُطلق في جوف الليل لا تخطئ أبداً. قل “يا رب” بيقين، واعلم أن الله يدبر لك في الغيب ما لا تعلمه.
4. العمل والتحرك: النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بالدعاء، بل استمر في دعوته وبناء أصحابه حتى مكن الله له. هزيمة اليأس تتطلب استمرار السعي رغم الألم.
5. الثقة في وعد الله: تذكر دائماً عاقبة الأمور. الظلم ساعة، والحق إلى قيام الساعة. إن “قليب بدر” ينتظر كل ظالم، والنصر والتمكين ينتظر كل صابر محتسب.
رسالة إلى كل مكروب ومهموم
أيها المؤمن، يا من تكالبت عليك الهموم أو أحاط بك القوم بسوء، لا تبتئس ولا تيأس. اعلم أن لك رباً رحيماً، يسمع أنين قلبك قبل نطق لسانك، وينصر ضعفك حين يظن الجميع أنك قد هُزمت.
إن الابتلاء الذي تمر به الآن قد يكون هو الطريق الذي يمهده الله لرفعة درجاتك أو لتطهير نفسك. فلا ترفع رأسك من سجود اليأس إلا وقد ملأت قلبك بالرجاء في الله. ارفع بصرك نحو السماء، واستمد قوتك من العزيز الجبار، وقل بملء فيك: «حسبي الله ونعم الوكيل».
ختاماً، إن قصة هزيمة اليأس تبدأ بكلمة واحدة: يا رب. فاستعن بربك، واثبت على مبدئك، واعلم أن مع العسر يسراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب. وكما هُزم صناديد قريش بكلمات خرجت من فم المصطفى وهو ساجد، ستنهزم همومك وأحزانك بصدق لجوئك إلى خالقك.
*مستفاد بتصرف من بحث: كيف هزموا اليأس لسلوى العضيدان.*

اترك تعليقاً