كيمياءُ المُواساة: فقهُ الجَبْرِ الوجدانيِّ وأثرُ التَّلطُّفِ النَّبويِّ في استدامةِ المودَّةِ الزَّوجية

مقدمة: في رحاب السَّكن والمودَّة

إنَّ المتأملَ في فلسفةِ التشريع الإسلامي للأسرة يجدُ أنها لم تَقُم على مجردِ عقودٍ قانونيةٍ جافة، بل قامت على فلسفةٍ عميقةٍ من السَّكنِ النفسي والائتلافِ القلبي. يقولُ الله تعالى في محكمِ التنزيل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). هذا السَّكنُ لا يتحققُ إلا بوجودِ آلياتٍ معنويةٍ تُرمِّمُ ما قد ينكسرُ في غِمارِ الحياة اليومية، وهو ما نُسميه اليوم بـ “كيمياء المُواساة”، أو فقه “الجَبْر الوجداني”.

أولاً: فلسفةُ الجَبْرِ الوجداني في الميزانِ الشَّرعي

الجَبْرُ في اللغةِ هو إصلاحُ الكسر، وفي الاصطلاحِ الوجداني هو تلك القوةُ المعنويةُ التي يبذلُها أحدُ الزوجين للآخر حين تعصفُ به الأزماتُ أو تنالُ من قلبهِ الأحزان. إنَّ اسمَ الله تعالى “الجبَّار” يحملُ في طياته مَعنَيَيْن: القهرَ فوقَ العباد، وجَبْرَ قلوبِ المنكسرين. ومن هنا، فإنَّ سعيَ الزوجِ لجَبْرِ خاطرِ زوجتِه، أو سعي الزوجةِ لتطييبِ نفسِ زوجِها، هو تخلُّقٌ بأخلاقِ الله وتعبدٌ بأسماءِه الحسنى.

إنَّ “الحقَّ في الجَبْرِ الوجداني” ليس نافلةً من القول، بل هو من صميمِ قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). والمعروفُ ليس مجردَ توفيرِ المأكلِ والملبس، بل هو إدراكُ الاحتياجِ النفسي وتلبيةُ النداءِ الروحي قبلَ أن يُنطقَ به. فالإسلامُ ينظرُ إلى القلبِ باعتبارهِ مَحلَّ نظرِ الرب، وصلاحُ العلاقةِ الزوجيةِ يبدأُ من صيانةِ هذا القلبِ من الخدوشِ والتصدعات.

ثانياً: التلطُّفُ النبويُّ.. مدرسةُ الاحتواءِ النفسي

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم المعلمَ الأولَ في فنِّ المُواساة. لم يغفل صلى الله عليه وسلم يوماً عن الحالةِ الوجدانيةِ لأهلِ بيته، بل كان يقرأُ مشاعرَهنَّ في صمتهنَّ وكلامهنَّ. ففي الحديثِ الصحيحِ الذي ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها، قال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “إني لأعلمُ إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ عليَّ غضبى”، قالت: فقلتُ: من أين تعرفُ ذلك؟ فقال: “أما إذا كنتِ عني راضية، فإنكِ تقولين: لا وربِّ محمد، وإذا كنتِ غضبى، قلتِ: لا وربِّ إبراهيم”.

تتجلى كيمياء المُواساة النبوية في مواقفَ عديدة، منها:

  • المواساةُ باللمسةِ الحانية: حين بكت السيدةُ صفيةُ رضي الله عنها لأنها تأخرت في المسير، لم يزجرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، بل جعل يمسحُ دموعَها بيديهِ الشريفتين ويسكنها.
  • المواساةُ بالاستماعِ الفعَّال: كما في حديثِ أمِّ زرع، حيث جلس النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستمعُ لعائشةَ وهي تقصُّ قصةَ إحدى عشرةَ امرأةً بإسهاب، وفي النهايةِ لم يكتفِ بالسكوت، بل جبرَ خاطرَها بقوله: “كنتُ لكِ كأبي زرعٍ لأمِّ زرع”.
  • المواساةُ بالمشاركةِ الوجدانية: كان صلى الله عليه وسلم يراعي ضعفَ المرأةِ النفسيَّ وتكوينَها الرقيق، قائلاً: “استوصوا بالنساء خيراً”، وفي رواية أخرى: “رفقاً بالقوارير”.

ثالثاً: أثرُ المُواساةِ في استدامةِ المودَّةِ الزَّوجية

إنَّ العلاقةَ الزوجيةَ تتعرضُ لما يسمى بـ “الاستهلاك العاطفي” نتيجةَ ضغوطِ الحياةِ والمسؤوليات. وهنا تبرزُ كيمياءُ المُواساة كعاملِ تجديدٍ (Catalyst) يُعيدُ الروحَ إلى العلاقةِ ويحميها من التآكل. الجبرُ الوجداني يولدُ نوعاً من “الأمان النفسي”، وهو الركيزةُ التي تقومُ عليها استدامةُ البيوت.

حين يشعرُ الطرفُ المكلومُ أن شريكَه هو مَلاذُه الأول، وأن دمعتَه لا تهونُ عليه، يُبنى جسرٌ من الثقةِ لا تهزُّه العواصف. إنَّ التغاضي عن الهفواتِ والتلطفَ في العتابِ هو جزءٌ من هذا الجبر. يقول الله تعالى: (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ)، وهذا من رقيِّ الأخلاقِ النبويةِ في التعاملِ مع العثراتِ الوجدانية.

رابعاً: خطواتٌ عمليةٌ لتحقيقِ الجَبْرِ الوجداني في بيوتنا

لتحويلِ هذا الفقهِ إلى واقعٍ معاش، يجبُ على الزوجين اتباعُ منهجيةٍ واضحةٍ مستمدةٍ من الروحِ النبوية:

  • الإنصاتُ القلبي: ليس الإنصاتُ بالأذنين فقط، بل بحضورِ القلبِ وإظهارِ الاهتمامِ بما يُقلقُ الطرفَ الآخر.
  • الكلمةُ الطيبة: الكلمةُ الطيبةُ صدقة، وهي في حقِّ شريكِ الحياةِ أوجب. (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
  • الاعتذارُ بشجاعة: الاعتذارُ ليس ضعفاً، بل هو أقوى أدواتِ الجَبْرِ الوجداني التي تمحو أثرَ الجراح.
  • المشاركةُ في الاهتمامات: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يسابقُ عائشة، ويسمحُ لها بمشاهدةِ لعبِ الحبشة، كلُّ ذلك تطييباً لنفسِها ومراعاةً لسِنِّها.

خاتمة: نحو بيوتٍ تُبنى بالرَّحمة

إنَّ كيمياءَ المُواساةِ ليست مجردَ كلماتٍ رنانة، بل هي عبادةٌ وقربةٌ نتقربُ بها إلى الله تعالى. إنَّ استدامةَ المودةِ الزوجيةِ رهينةٌ بمدى قدرتنا على تَمثُّلِ الهديِ النبويِّ في التلطفِ وجبرِ الخواطر. فما أكرمهنَّ إلا كريم، وما أهانهنَّ إلا لئيم. لنجعلْ من بيوتِنا واحاتٍ للأمنِ النفسي، يجدُ فيها كلُّ طرفٍ دواءَ جرحِه، وراحةَ روحِه، تحت ظلالِ قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: “خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي”.

اللهمَّ ألِّفْ بين قلوبِ المسلمين، واجعلْ بيوتَهم قائمةً على المودةِ والرحمةِ والجَبْرِ الجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *