ظاهرة رامز جلال: عقد ونصف من التربع على عرش الشاشة الرمضانية
منذ عام 2011، لم يغادر اسم الفنان رامز جلال صدارة المشهد الرمضاني، حيث تحول برنامج رامز جلال إلى تقليد سنوي ثابت يحجز لنفسه وقت الذروة في جدول العروض التلفزيونية. ورغم تعاقب السنوات وتغير العناوين من “رامز قلب الأسد” وصولاً إلى النسخة الحالية، يظل البرنامج المحرك الأساسي لنقاشات المشاهدين ومنصات التواصل الاجتماعي، محققاً أرقاماً قياسية في المتابعة رغم كل الانتقادات.
وتعرض قناة “إم بي سي مصر” البرنامج يومياً في وقت الإفطار، وهي مكانة تذكّرنا بتلك التي كانت تحظى بها برامج الفوازير في الثمانينيات والتسعينيات. ورغم تغير الثيمات وأماكن التصوير، تظل الصيغة الأساسية راسخة: ضيف مشهور، مقلب يتصاعد بالرعب والصراخ، ثم لحظة الكشف عن الحقيقة، في إطار يجمع بين الكوميديا السوداء والإثارة المفتعلة.
سيكولوجية المشاهدة: لماذا نتابع ما ننتقده؟
أحد أبرز الأسباب خلف استمرارية برنامج رامز جلال هو تحوله إلى جزء من “الطقوس الرمضانية”. ففي شهر يقوم على العادات الثابتة والتجمعات العائلية، تصبح الصيغ الإعلامية المتجددة سنوياً جزءاً من البنية الزمنية للشهر. يمنح هذا التوقع المسبق للمشاهد قدراً من الطمأنينة؛ فهو يعرف مسبقاً ما سيشاهده، مما يجعل البرنامج “ضجيجاً خلفياً” مثالياً يرافق مائدة الإفطار العائلية.
وهنا تبرز ظاهرة يطلق عليها النقاد اسم “الهيت ووتشينغ” (Hate-watching)، وهي متابعة المحتوى ليس بدافع الإعجاب، بل بدافع الرفض أو السخرية. يتحول النقد والاستياء على منصات التواصل الاجتماعي إلى وقود يزيد من انتشار البرنامج؛ فكل تعليق غاضب أو ميم ساخر يساهم في تعزيز حضور المحتوى في الفضاء الرقمي، حيث لا تفرق خوارزميات المنصات بين التفاعل الإيجابي والسلبي، فالمهم هو “الظهور” فقط.
انكسار الهرمية الاجتماعية: متعة رؤية “النجم” مبهدلاً
ينطوي برنامج رامز جلال على عنصر جذب نفسي عميق يتمثل في اهتزاز الهرمية الاجتماعية. الجمهور يعتاد رؤية النجوم في صورة مثالية، واثقة، ومحمية بأسوار الشهرة والمال. لكن داخل المقلب، تتلاشى هذه الحصانة؛ نرى النجم يصرخ، يشتم، ويتوسل، وهو ما يولد نوعاً من التنفيس أو التفريغ لدى المشاهد، خاصة في المجتمعات التي تتسع فيها الفجوات الطبقية.
هذه “الإهانة المؤقتة” للامتياز تكسر الحاجز بين المشاهير والجمهور، حتى لو كان المشاهد يدرك في قرارة نفسه أن الأمر قد يكون مفبركاً أو مرتباً مسبقاً. إن لذة رؤية “صاحب النفوذ” في موقع ضعف تمثل جاذبية لا يمكن مقاومتها للكثيرين.
عصر ما بعد الحقيقة: هل الفبركة تقتل الاهتمام؟
لطالما حاصرت اتهامات الفبركة برنامج رامز جلال، ومع ذلك لم تؤدِّ هذه الشكوك إلى تراجع شعبيته. ويرجع ذلك إلى تحول ثقافي أوسع يرتبط بـ “عالم المحاكاة”، حيث لم يعد السؤال عن “الحقيقة” هو الأهم. نحن نعيش في زمن تسيطر عليه الفلاتر، والذكاء الاصطناعي، والهويات الرقمية المصممة بعناية، مما جعل المشاهد يتقبل “الزيف” طالما أنه يقدم عرضاً ممتعاً.
على غرار تقنية “الضحك المعلب” في المسلسلات الكوميدية التي تحدث عنها الفيلسوف سلافوي جيجك، فإن برنامج رامز يصطنع الصدمة والدهشة نيابة عن الجمهور. المشاهد لا يبحث بالضرورة عن الصدق، بل عن “تجربة” قابلة للتداول والحديث عنها. الأداء هنا أهم من الأصالة، والقدرة على إثارة ردة فعل هي المعيار الوحيد للنجاح في البيئة الإعلامية المعاصرة.
الخلاصة: البقاء للأكثر تفاعلاً
في الختام، استمرارية برنامج رامز جلال لمدة 15 عاماً ليست مصادفة، بل هي نتيجة تلاقي طقوس المشاهدة التقليدية مع آليات الانتشار الرقمي الحديثة. البرنامج نجح في أن يكون “ترند” إجباري مع كل رمضان، مستفيداً من الجدل الأخلاقي واتهامات التحرش أو التنمر لزيادة المشاهدات. يبدو أن سؤال العصر لم يعد “هل هذا حقيقي؟”، بل “هل سينجح هذا في جعلنا نتحدث عنه؟”، وفي هذا المضمار، يظل رامز جلال هو اللاعب الأقوى بلا منازع.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً