ليلة النصف من شعبان: احذر أن تكون من هؤلاء المحرومين

# ليلة النصف من شعبان.. وقفة مع الذات قبل فوات الأوان

تطل علينا في كل عام نفحة ربانية مباركة، وموسم من مواسم الطاعات التي تشرئب إليها أعناق الموحدين، وتتوق إليها أرواح العابدين؛ إنها ليلة النصف من شعبان. هذه الليلة التي جعلها الله محطة للتطهير، وفرصة للتغيير، ومناسبة عظيمة لغفران الذنوب وستر العيوب. غير أن هذا الفضل العميم، والعطاء الرباني الجسيم، ليس لكل أحد؛ فهناك صنف من الناس يُحرمون من هذا الفيض الإلهي، ويُطردون من رحاب المغفرة الواسعة، وهم الذين سماهم النبي ﷺ بـ “المشاحنين”. فما هي حقيقة هذه الليلة؟ ومن هو هذا “المشاحن” الذي أغلقت في وجهه أبواب السماء في ليلة فُتحت فيها لكل سائل؟

فضل ليلة النصف من شعبان في السنة النبوية

لقد وردت في فضل هذه الليلة أحاديث نبوية شريفة، تصف لنا مشهداً مهيباً من مشاهد الرحمة الإلهية، حيث يتجلى الله عز وجل على عباده بعفوه. ومن أصح ما ورد في هذا الباب:

1. ما رواه مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رضي اللّٰه عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ- قَالَ: «يَطْلُعُ اللّٰهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» (صححه الألباني في السلسلة الصحيحة).

2. وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضي اللّٰه عنه-، عَنْ رَسُولِ اللّٰهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ اللّٰهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» (رواه ابن ماجة وحسنه الألباني).

3. وعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -رضي اللّٰه عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ-، قَالَ: «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ اطَّلَعَ اللّٰهُ إِلَى خَلْقِهِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ» (حسّنه الألباني في صحيح الجامع).

تأمل في قوله ﷺ: “يطلع الله إلى خلقه”، إنه اطلاع رحمة وإحسان، واطلاع عفو وغفران. وفي قوله: “فيغفر لجميع خلقه”، دلالة على سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء، إلا أن هذا الاستثناء المخيف “إلا لمشرك أو مشاحن” يضعنا أمام مسؤولية كبرى تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين.

من هو “المشاحن”؟ سبر أغوار المعنى عند أهل العلم

إن الوقوف على معنى “المشاحن” هو المفتاح للنجاة في هذه الليلة. فالمسألة ليست مجرد خصومة عابرة، بل هي داء قلبي قد يعصف بصاحبه ويحرمه من خيرات الدهر. وقد تباينت أقوال السلف وأئمة العلم في تفسير هذا المصطلح، وكلها تصب في مجرى التحذير من فساد الباطن:

أولاً: المشاحن هو المعادي والحاقد

يقول ابن الأثير رحمه الله في كتابه “النهاية في غريب الأثر”: «المشاحن: هو المعادي؛ والشحناء: العداوة، والتشاحن: تفاعل منه». إنها تلك العداوة التي تملأ الصدر، وتوغر القلب، فتجعل العبد يتربص بأخيه الدوائر، ولا يتمنى له إلا السوء. إن الشحناء نار تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وهي الحالقة التي لا تحلق الشعر، بل تحلق الدين.

ثانياً: المشاحن هو المبتدع المفارق للجماعة

ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى معنى أعمق يتعلق بأصل الدين وسلامة المنهج. فقد نقل الطبراني عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قوله: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ اللّٰهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى عِبَادِهِ فَيَغْفِرُ لأَهْلِ الأَرْضِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»، قَالَ: «الْمُشَاحِنُ؛ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُشَاحِنُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ وَيُعَادُونَهُمْ».
وهنا ندرك أن المشاحنة قد تكون بالخروج عن جادة الصواب، ومعاداة أهل السنة والجماعة، وإثارة الفتن بين المسلمين بتبني أفكار تخالف هدي النبي ﷺ.

ثالثاً: المشاحن هو التارك للسنة والسافك للدماء

ويضيف الأصبهاني “قوام السنة” رحمه الله بعداً آخر نقلاً عن عمير بن هانئ، حيث قال: «سألت ابن ثوبان عن المشاحن، فقال: هو التارك لسنة نبيه -صلى اللّٰه عليه وآله وسلم- الطاعن على أمته، السافك لدمائهم». وهذا التفسير يربط بين فساد المعتقد وفساد السلوك؛ فمن ترك السنة طعن في الأمة، ومن طعن في الأمة استحل دماءها، وكل ذلك من أعظم أنواع الشحناء التي تحجب المغفرة.

لماذا يُحرم المشاحن من المغفرة؟

إن الحكمة من حرمان المشاحن تكمن في أن المغفرة تنزل على القلوب الطاهرة السليمة. ليلة النصف من شعبان هي ليلة “تزكية”، والمشاحن قلبه مثقل بالأدران، ممتلئ بالغل. فكيف يستقبل نور المغفرة من أغلق قلبه بأقفال الحقد؟

إن الله تعالى يقول: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا}، فالغل حاجز كثيف يحول بين العبد وبين ربه. وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ: “تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا”. فإذا كان هذا في كل أسبوع، فكيف بليلة النصف من شعبان التي هي بمثابة عرض سنوي للأعمال قبل رفعها في شهر رمضان؟

كيف نستقبل ليلة النصف من شعبان؟

بناءً على ما تقدم، فإن الاستعداد لهذه الليلة لا يكون بمجرد السهر أو إطعام الطعام فحسب، بل يكون بـ “هندسة القلب” من الداخل:

1. تجديد التوحيد: فالمشرك هو الصنف الأول المحروم. جدد إيمانك، ونقِّ عملك من الرياء، واجعل وجهتك لله وحده.
2. التوبة من الشحناء: ابحث في زوايا قلبك؛ هل أنت قاطع لرحم؟ هل أنت مخاصم لأخ؟ هل في صدرك غل على مسلم؟ بادر بالصلح، واتصل بمن قطعك، واعفُ عمن ظلمك.
3. لزوم السنة: كن متبعاً لا مبتدعاً، محباً لأهل الإسلام، حريصاً على وحدة كلمتهم، بعيداً عن الطعن في أعراضهم أو تكفيرهم بغير حق.
4. الإنابة والدعاء: تذكر حديث أبي ثعلبة الخشني: “ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه”. فالحقد قيد، والتحلل منه حرية. ادعُ الله أن يغسل قلبك بماء الثلج والبرد.

الخاتمة: رسالة إلى كل قلب

يا باغي الخير، ليلة النصف من شعبان على الأبواب، وهي فرصة قد لا تتكرر. لا تجعل خصومة دنيوية تافهة، أو حطاماً زائلاً، أو كبراً زائفاً يحرمك من مغفرة جبار السماوات والأرض. انزع فتيل الحقد من صدرك، وطهر لسانك من الطعن في عباد الله، وأقبل على الله بقلب سليم، عسى أن يشملك قوله ﷺ: “فيغفر لجميع خلقه”.

اجعل شعارك في هذه الليلة: “اللهم إني قد عفوت عمن ظلمني، فاعفُ عني”. كن أنت المبادر، فخير المتخاصمين من يبدأ بالسلام، وخير العباد من لقي ربه بقلب لا يحمل ذرة من غل لمسلم. جعلنا الله وإياكم ممن ينالون شرف المغفرة في هذه الليلة المباركة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *