ليلة النصف من شعبان: كيف تضمن نصيبك من مغفرة الله؟

# ليلة النصف من شعبان: خلاصة البيان فيمن يستحق الغفران

الحمد لله الذي جعل في تعاقب الأيام والمواسم عبرة لأولي الألباب، والصلاة والسلام على من بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

تمر علينا الأيام، وتتوالى النفحات الربانية، وفي طيات هذه الأيام ليلة عظيمة الشأن، جليلة القدر، يتطلع فيها رب العزة والجلال إلى عباده برحمته الواسعة، إنها ليلة النصف من شعبان. هذه الليلة التي ينتظرها المشتاقون لغفران الذنوب، والراغبون في تطهير القلوب، لتكون منطلقاً لهم نحو شهر رمضان المبارك.

الحديث العظيم في فضل ليلة النصف من شعبان

لقد ورد في فضل هذه الليلة حديث نبوي شريف، يضع لنا الميزان الدقيق لمن يستحق هذا العطاء الإلهي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ تعالى لَيطَّلِعُ في ليلةِ النصفِ من شعبانَ فيغفرُ لجميعِ خلْقِه، إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ» (صحيح الجامع [1819]، صححه الإمام الألباني رحمه الله).

إن هذا الحديث ليس مجرد إخبار بفضل، بل هو دستور عملي لمن أراد أن يتعرض لنفحات الله. فالمغفرة في هذه الليلة عامة وشاملة، لا يخرج عنها إلا صنفان من الناس، فما هما هذان الصنفان؟ وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر فيك لتكون من أهل الغفران؟

الشرط الأول: السلامة من الشرك (تحقيق التوحيد)

أول ما يمنع المغفرة في هذه الليلة المباركة هو الشرك. والشرك هنا يشمل نوعيه: الأكبر والأصغر.

أهمية تعلم العقيدة

إن هذا الشرط يدفعنا دفعاً إلى ضرورة تعلم العقيدة الإسلامية الصحيحة؛ فكيف يتجنب الإنسان الشرك وهو لا يعرفه؟ إن الشرك هو أعظم ذنب عُصي الله به، وهو الظلم العظيم الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.

  • الشرك الأكبر: وهو أن يجعل الإنسان لله نداً في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته، كصرف العبادة لغير الله من دعاء أو ذبح أو نذر.
  • الشرك الأصغر: وهو ما أطلق عليه الشرع اسم الشرك ولم يصل إلى حد الأكبر، ومن أمثلته الرياء، وهو أن يعمل الإنسان العمل الصالح ليراه الناس ويمدحوه، أو الحلف بغير الله.
  • فمن أراد مغفرة الله في ليلة النصف من شعبان، فعليه أن يجدد توحيده، وينقي قلبه من كل شائبة تقدح في إخلاصه لربه سبحانه وتعالى.

    الشرط الثاني: السلامة من المشاحنة

    هذا هو الشرط الذي يقع فيه الكثير من اللبس والغموض لدى عامة الناس، فما المقصود بـ “المشاحن” الذي يُحرم من المغفرة؟ المشاحنة هي العداوة والبغضاء التي تملأ الصدور وتفرق بين المسلمين. ولكي نفهم هذا الأمر بدقة، يجب أن نفصل في أنواع المشاحنة، إذ ليست كل مشاحنة مانعة للمغفرة.

    النوع الأول: المشاحنة لسبب ديني (المشروعة)

    هذا النوع من المشاحنة لا يدخل في الحديث، ولا يمنع المغفرة، بل هو واجب شرعي في أصله. وهي المشاحنة التي يجدها المؤمن في صدره تجاه الكافرين لكفرهم، أو تجاه أصحاب البدع بسبب بدعتهم، أو تجاه الفجار بسبب فجورهم وضلالهم.

    إن هذا النوع يدخل في أصل من أصول الإيمان وهو “الحب في الله والبغض في الله”، والذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أوثق عرى الإيمان.

  • لماذا لا تمنع المغفرة؟ لأن هذه الشحناء مرتبطة بسبب شرعي (مخالفة التوحيد أو التشريع)، فإذا زال السبب وزال الضلال، زالت الشحناء.
  • ملاحظة هامة: هذه الشحناء لا تتعارض مع رحمة المؤمن بهؤلاء العاصين، بل إن من كمال الإيمان أن تبغض فعلهم وتدعوهم إلى الله وتريد لهم الخير والهداية.
  • النوع الثاني: المشاحنة لسبب دنيوي مقبول (المعذور صاحبها)

    وهي المشاحنة التي تنشأ نتيجة تعرض الإنسان للظلم أو الأذى. كمن يجد في صدره ضيقاً أو بغضاً لمن سرقه، أو اعتدى على عرضه، أو أكل ماله بالباطل.

  • حكمها: إذا لم يتب الظالم ويرد الحقوق، فإن شحناء المظلوم تجاهه ليست مذمومة شرعاً، ولا تمنع حصول الغفران في ليلة النصف من شعبان.
  • مرتبة الكمال: على الرغم من أنها لا تمنع المغفرة، إلا أن تركها والعفو لوجه الله أفضل وأكمل. فمن استطاع أن يغالب نفسه ويسامح من ظلمه طمعاً في مغفرة الله، كان نصيبه من الغفران في تلك الليلة أتم وأكمل.
  • الجزاء من جنس العمل: نحن جميعاً مقصرون في حق الله، ونرجو مغفرته رغم عيوبنا، فمن سامح عباد الله كان أجدر بأن يسامحه الله. قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}. ولكن يشترط هنا ألا يؤدي العفو إلى تمادي الظالم في فساده، فإذا كان العفو سيجلب مفسدة أكبر، فعدم العفو حينها هو الأرشد.
  • النوع الثالث: المشاحنة لسبب دنيوي غير مقبول (المحرمة)

    وهذا هو النوع الخطير الذي يمنع صاحبه من مغفرة الله في ليلة النصف من شعبان. وهي المشاحنة التي تقوم على أسباب تافهة، أو دوافع نفسية ذميمة مثل:

    1. الحسد: أن يبغض المسلم أخاه لما أتاه الله من فضله.
    2. الغيرة المذمومة: كالمشاحنات التي تقع بين الجيران أو الأقارب لمجرد التنافس الاجتماعي أو الكيد.
    3. الكبر: التعالي على الآخرين وبغضهم لفرق اجتماعي أو مادي.
    4. الهجران والقطيعة: التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً».

    من أصر على هذا النوع من المشاحنة، ولم يطهر قلبه منها قبل دخول هذه الليلة، فهو محروم من ذلك الفيض الإلهي من المغفرة.

    الخلاصة: مراتب الناس في ليلة النصف من شعبان

    بناءً على ما سبق، يمكننا تقسيم حال الناس تجاه مغفرة الله في هذه الليلة إلى ثلاث حالات رئيسية:

    الحالة الأولى: المحرومون من المغفرة

    وهم الذين اجتمع فيهم أحد هذين الأمرين أو كلاهما:

  • الوقوع في الشرك (الأكبر أو الأصغر).
  • الإصرار على المشاحنة لسبب دنيوي غير مقبول (الحسد، الكيد، الهجران بلا سبب شرعي).
  • النتيجة: هؤلاء لا يستحقون الغفران في ليلة النصف من شعبان.

    الحالة الثانية: المستحقون للمغفرة (مع نقص في الكمال)

    وهم الذين توفرت فيهم الصفات التالية:

  • تارك للشرك الأكبر والأصغر (موحد).
  • مشاحن لسبب ديني (يبغض المنكر وأهله لله).
  • مشاحن لسبب دنيوي مقبول (مظلوم لم تطب نفسه بالعفو بعد).
  • تارك للمشاحنة لسبب دنيوي غير مقبول.
  • النتيجة: يستحق الغفران، لكن نصيبه من المغفرة أقل من مرتبة الكمال.

    الحالة الثالثة: المستحقون لكمال المغفرة

    وهم الصفوة الذين ارتقوا بأنفسهم، وتوفرت فيهم الصفات التالية:

  • تارك للشرك الأكبر والأصغر (تحقيق كامل للتوحيد).
  • مشاحن لسبب ديني (ميزان الولاء والبراء عنده منضبط).
  • تارك للمشاحنة لسبب دنيوي مقبول (عفا وصفح عمن ظلمه طمعاً في رضا الله).
  • تارك للمشاحنة لسبب دنيوي غير مقبول.

النتيجة: يستحق كمال المغفرة والرضوان في هذه الليلة المباركة.

رسالة أخيرة

يا باغي الخير، ليلة النصف من شعبان فرصة لا تعوض، ومحطة للتزود قبل رمضان. فتش في زوايا قلبك، ونقب عن خبايا صدرك؛ هل هناك شائبة شرك؟ هل هناك حقد دفين على مسلم؟ هل هناك قطيعة رحم؟

بادر الآن، وقبل غروب شمس ذلك اليوم، بتجديد التوحيد، وإصلاح ذات البين، والعفو عمن أساء إليك، لتكون أهلاً لنظرة الله الرحيمة، وغفرانه الشامل.

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يطهر قلوبنا من الشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وأن يغفر لنا ولكم كل الذنوب، ويجعلنا وإياكم من أهل الفردوس الأعلى.

كتبه: م. علاء حامد

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *