رحيل الضيف العزيز ودموع المودعين
أيامٌ معدودات، هكذا وصفها ربنا في كتابه، وهكذا مرت علينا كطيف خيالٍ عابر، أو كنسيم فجرٍ بارد في هجير الصيف. عشنا في رحاب رمضان أياماً فاضت فيها الروح طمأنينة، وامتلأت فيها القلوب سكينة، ذقنا فيها حلاوة القيام، وكابدنا فيها جهد الصيام بقلوبٍ محبة، وعيونٍ دامعة، ونفوسٍ تواقة لما عند الله. كنا في سباقٍ محموم مع الزمن، نغدو ونروح في رحاب المساجد، ونقلب صفحات المصاحف، ونبسط أكف الضراعة في جوف الليل، فكانت أرواحنا ترفرف في ملكوت السماء، بعيداً عن كدر الدنيا وضجيج الشهوات.
لقد عجلنا في هذه الأيام إلى الله تبارك وتعالى، وكان المحرك لنا شوقٌ لا ينطفئ، ورغبةٌ في القرب لا تنتهي. كان شعارنا الذي نرفعه في كل سجدة، ومع كل تسبيحة، وفي كل لحظة إمساكٍ وإفطار، هو قول الله عز وجل: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]. نعم يا رب، عجلنا إليك بالصيام، وعجلنا إليك بالقيام، وعجلنا إليك بالصدقات والذكر، لا لشيء إلا لترضا، فبغير رضاك لا قيمة للحياة، وبغير قربك لا طعم للوجود.
شعار المرحلة: المسارعة إلى رضوان الله
لقد كان نشيدنا الذي نترنم به في خلواتنا، ومنطلقنا الذي نتحرك من خلاله في دروب الطاعة، هو قول الحق سبحانه على لسان نبيه: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99]. كانت هجرةً بالقلوب إلى الله، وذهاباً بالنفوس إلى بارئها، نطلب الهداية في كل آية، ونلتمس النور في كل ركعة. ولكن، هكذا هي أيام رمضان، تنتهي سريعاً وتطوي صفحاتها المباركة، فلا يمر فيها يوم إلا وتبعه أيام، حتى وجدنا أنفسنا نودع هذا الشهر الكريم.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتردد في جنبات النفس المؤمنة، ويقض مضجع الحريصين على دينهم: لماذا لا تكون السنة كلها رمضان؟ لماذا ترتبط عبادتنا بالمواسم؟ ولماذا تخفت جذوة الإيمان في القلوب بمجرد رحيل الهلال؟ إن الرب الذي عبدناه في رمضان هو رب الشهور كلها، والإله الذي خضعنا له في ليلة القدر هو الإله الذي يراقبنا في شوال وشعبان وسائر العام.
النكسة بعد القوة: تحذير قرآني بليغ
يحذرنا الله جل وعلا من نموذجٍ بشريٍ سيء، نموذج يبني ثم يهدم، ويغزل ثم ينقض، فيقول سبحانه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} [النحل: 92]. إنها صورةٌ فنيةٌ تقشعر لها الأبدان، يصورها لنا القرآن لنحذر من مغبة الانتكاس بعد الطاعة.
ويقف صاحب “الظلال” عند هذه الآية وقفةً تأملية عميقة، فيقول: “فمَثَلُ مَن ينقض العهد مَثَلُ امرأة حمقاء ملتاثة، ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعاً منكوثة ومحلولة! وكل جزئية من جزئيات التشبيه تشِي بالتحقير والترذيل والتعجيب، وتشوِّه الأمر في النفوس، وتقبِّحه في القلوب، وهو المقصود، وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مَثَلُه كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة، الملتاثة العقل، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه!”.
تأمل أخي المؤمن، هل ترضى لنفسك بعد أن قضيت ثلاثين يوماً في بناء صرحٍ من التقوى، وصقل روحك بآيات القرآن، وتطهير نفسك من أدران المعاصي، أن تعود فتهدم كل ذلك في لحظة غفلة؟ هل ترضى أن تكون كمن غزلت ثوباً جميلاً متيناً، ثم بدأت تفك خيوطه خيطاً خيطاً حتى عاد هباءً منثوراً؟ إن العودة إلى الذنوب بعد رمضان، وترك الصلاة، وهجر المصحف، هو بالضبط ذلك النقض للغزل، وهو المسلك الذي لا يرضاه عاقل لنفسه.
عبادة “الحرف”: خطر التذبذب والارتهان للمصالح
إن القرآن الكريم يضع يده على جرحٍ غائر في بعض النفوس البشرية، وهو عبادة المناسبات أو العبادة المشروطة بالراحة والمصلحة. يقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].
هذا الصنف من الناس يعبد الله على هامش الحياة، لا في صلبها. يعبده في رمضان لأنه شهر الخير والبركة والراحة النفسية، فإذا انتهى الشهر وعادت ضغوط الحياة وفتن الدنيا، انقلب على وجهه وعاد إلى ما كان عليه من تقصير وتفريط.
ويحلل صاحب “الظلال” هذه الحالة النفسية بدقة متناهية، فيقول: “والتعبير القرآني يصوِّرُه في عبادته لله {عَلَى حَرْفٍ}، غير متمكن في العقيدة، ولا متثبت في العبادة، ويصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى، ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهِّد من قبلُ لهذا الانقلاب”.
إن الوقوف على “الحرف” يعني عدم الاستقرار، يعني أن المؤمن لم يذق حقيقة الإيمان التي تجعله راسخاً كالجبال الرواسي لا تزلزله العواصف ولا تغيره الفصول. إن الذي يعبد الله في رمضان فقط، هو في الحقيقة لم يعرف الله حق المعرفة، بل عرف “رمضان”، ومن عرف الله استقام على أمره في كل زمان ومكان.
كيف نجعل العام كله رمضان؟
إن الاستمرار على الطاعة بعد رمضان هو الدليل الأكبر على قبول العمل في رمضان، فمن علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها. ولكي نحقق هذا الثبات، يجب أن نعي عدة أمور:
1. الاستمرارية ولو بالقليل: لا يُطلب منك أن تقوم الليل كله كما كنت تفعل في العشر الأواخر، ولكن لا تترك قيام الليل ولو بركعتين. لا يُطلب منك ختم القرآن كل ثلاثة أيام، ولكن لا تهجر المصحف يوماً واحداً.
2. تجديد النية: اجعل شعار {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} ماثلاً أمام عينيك في كل عمل تعمله، في وظيفتك، في بيتك، وفي تعاملك مع الناس.
3. صحبة الأخيار: إن الرفقة التي أعانتك على الطاعة في رمضان هي خير معين لك في سائر العام، فاحرص على بيوت الله وعلى مجالس الذكر.
4. الحذر من خطوات الشيطان: إن الشيطان الذي صُفد في رمضان قد أُطلق سراحه الآن، وهو يتربص بك الدوائر ليفسد عليك ما بنيته، فكن على حذر واستعذ بالله دائماً.
الخاتمة: الاستقامة هي الغاية
أيها الأحبة، إن رمضان لم يكن إلا محطة للتزود، ودورة تدريبية مكثفة لنرتقي بأرواحنا. فالعبرة ليست فيمن صام وقام ثم انقطع، بل العبرة فيمن جعل من رمضان نقطة انطلاق نحو حياة أسمى وأطهر. لا تكونوا كالتي نقضت غزلها، ولا تعبدوا الله على حرف، بل كونوا ربانيين لا رمضانيين.
إن الطريق إلى الله طويل، ورمضان كان واحة نستريح فيها لنواصل المسير، فاستعينوا بالله ولا تعجزوا، واعلموا أن الموت قد يأتي بغتة، فليجدنا الله حيث أمرنا، وليفتقدنا حيث نهانا، ولتكن حياتنا كلها هجرة إلى الله، وصدقاً في التوجه إليه، لعلنا نفوز برضاه وجنته.
نسأل الله الثبات على الأمر، والعزيمة على الرشد، وأن يجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله، وممن استقام على الطاعة حتى يلقى ربه وهو راضٍ عنه.

اترك تعليقاً