ما وراء الحواس الخمس: آفاق جديدة في علوم الأعصاب تكشف امتلاك البشر لما يصل إلى 33 حاسة

ما وراء الحواس الخمس: آفاق جديدة في علوم الأعصاب تكشف امتلاك البشر لما يصل إلى 33 حاسة

مقدمة: تجاوز الإرث الأرسطي

لقرون طويلة، ظل النموذج الذي وضعه الفيلسوف اليوناني أرسطو للحواس الخمس —البصر، والسمع، والشم، واللمس، والتذوق— هو المرجع السائد لفهم كيفية تفاعلنا مع العالم. ومع ذلك، وكما رفض العلم الحديث فكرة أرسطو بأن الكون يتكون من خمسة عناصر فقط، تشير الأبحاث العصبية المعاصرة إلى أن إطارنا الحسي التقليدي غير مكتمل بشكل جذري. نحن اليوم بصدد إعادة تعريف الوعي البشري، حيث تشير الدراسات إلى أن البشر يمتلكون ما يتراوح بين 22 إلى 33 حاسة متميزة، تعمل في تناغم معقد لخلق تجربة حسية موحدة.

منهجية الاكتشاف: كيف ندرك ما لا نراه؟

في مختبرات رائدة مثل «مختبر التفاعل عبر الحواس» (Crossmodal Laboratory) بجامعة أكسفورد، وبالتعاون مع «مركز دراسة الحواس» بجامعة لندن، بدأ العلماء في تفكيك الحواس التقليدية إلى مكوناتها الأساسية. بدلاً من النظر إلى الحواس كقنوات معزولة، كشفت المنهجية العلمية الحديثة عما يسمى «الإدراك المتعدد الأنماط» (Multisensory Perception). على سبيل المثال، تم اكتشاف أن حاستَي الشم والتذوق ليستا منفصلتين تمامًا عند تناول الطعام؛ بل يساهم «الشم الأنفي الخلفي» (Retronasal Olfaction) —وهو مرور الروائح من الفم إلى الأنف عبر البلعوم الأنفى أثناء المضغ— بالجزء الأكبر مما نسميه «النكهة».

علاوة على ذلك، حدد الباحثون حواسًا حيوية كانت غائبة عن التصنيف التقليدي، منها:

  • الاستقبال الحسي العميق (Proprioception): القدرة على تحديد موقع أطرافنا وحركتها دون الحاجة للنظر إليها.
  • الجهاز الدهليزي (Vestibular System): المسؤول عن التوازن والإحساس بالتسارع والموقع الفراغي، والذي يعتمد على قنوات الأذن الداخلية بالتكامل مع الرؤية.
  • الإدراك الحشوي (Interoception): الحاسة التي تسمح لنا برصد التغيرات الداخلية في أجسادنا، مثل معدل ضربات القلب أو الشعور بالجوع.
  • حاسة الملكية والوكالة (Sense of Agency/Ownership): الإدراك بأن جسدنا ينتمي إلينا وأننا نحن من نحركه، وهي حاسة قد تتعطل لدى مرضى السكتة الدماغية.

الأهمية العلمية: فك تشابك التداخل الحسي

تكمن الأهمية العلمية لهذه الاكتشافات في فهم كيفية تأثير الحواس على بعضها البعض. لقد أثبتت التجارب أن ما نراه يمكن أن يغير ما نسمعه، وما نشمه يمكن أن يغير ما نلمسه. في إحدى الدراسات، تبين أن رائحة الورد تجعل الشعر يبدو أكثر نعومة للمس، بينما يمكن لروائح معينة في الزبادي قليل الدسم أن تخدع الدماغ ليشعر بقوام أكثر كثافة دون إضافة مواد كيميائية.

ومن الظواهر المثيرة للاهتمام التي فسرها العلم مؤخرًا هي سبب تفضيل الركاب لعصير الطماطم على متن الطائرات. كشفت الأبحاث في «مشروع إعادة التفكير في الحواس» أن الضوضاء البيضاء (مثل صوت محرك الطائرة) تقلل من حساسيتنا للمذاق المالح والحلو، لكنها لا تؤثر على مذاق «الأومامي» (Umami) المتوفر بكثرة في الطماطم، مما يجعل طعمها يبدو معززًا وأكثر ثراءً في بيئة الطائرة الصاخبة مقارنة بالأرض.

الآفاق المستقبلية والتطبيقات السريرية

إن فهم هذه الحواس الـ 33 يفتح آفاقًا جديدة في الطب والتصميم البيئي. في المجال السريري، يساعد فهم «حاسة الوكالة» في تطوير بروتوكولات إعادة التأهيل لمرضى السكتة الدماغية الذين يعانون من انفصال الإدراك عن أطرافهم. وفي مجال علم النفس، اكتشف الباحثون أن تعديل صوت خطوات الشخص يمكن أن يغير من إدراكه لوزن جسمه، مما يفتح الباب لعلاجات اضطرابات صورة الجسم.

مستقبلاً، ستساهم هذه الأبحاث في تصميم فضاءات عامة ومتاحف أكثر تفاعلية؛ حيث تُستخدم الأدلة الصوتية التي تحاكي الحوار المباشر لتعزيز الذاكرة البصرية، أو تصميم بيئات عمل تقلل من الإجهاد الحسي من خلال موازنة المدخلات الدهليزية والسمعية. إننا نقف على أعتاب عصر جديد من العلوم العصبية، حيث يتوقف الإنسان عن كونه متلقيًا سلبًا لخمس إشارات، ليصبح معالجًا فائق التعقيد لعشرات التدفقات الحسية التي تصيغ واقعنا اللحظي.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *