مخاطر توسع ستارلينك: لماذا يخشى علماء الفيزياء الفلكية ‘سيناريو يوم القيامة’ الفضائي؟

مخاطر توسع ستارلينك: لماذا يخشى علماء الفيزياء الفلكية ‘سيناريو يوم القيامة’ الفضائي؟

توسع هائل ومخاوف علمية متصاعدة

منحت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) مؤخراً الضوء الأخضر لشركة “ستارلينك” (Starlink) لتوسيع كوكبتها العملاقة من الأقمار الصناعية بشكل كبير، وهي خطوة قد توفر إنترنت أسرع لملايين المستخدمين. ومع ذلك، يدق العلماء الذين تحدثنا إليهم ناقوس الخطر، مؤكدين أن إضافة 7,500 قمر صناعي جديد في مدارات غير مستكشفة قد يؤدي إلى عواقب بعيدة المدى، بما في ذلك التأثير السلبي على الغلاف الجوي للأرض.

لم يكن هذا القرار مفاجئاً، حيث انحازت لجنة الاتصالات الفيدرالية باستمرار إلى جانب شركة “سبيس إكس” (SpaceX) المملوكة لإيلون ماسك، رغم أن العدد المعتمد يمثل نصف ما طلبته الشركة في البداية. ويقول جوناثان ماكدويل، عالم الفيزياء الفلكية الذي يتتبع عمليات الإطلاق: “أنا سعيد لأن اللجنة لم تمنحهم كل ما أرادوه دفعة واحدة، لكن لا تزال لدي مخاوف عميقة بشأن الأثر البيئي لهذه الكوكبات”.

خطر الاصطدامات والمدارات المزدحمة

من المتوقع أن يضاعف هذا الترخيص عدد أقمار ستارلينك في المدار ليصل إلى 15,000 قمر بحلول عام 2031. وهذا يثير قلق العلماء من خطر الاصطدامات في “ستراتوسفير” مزدحمة بشكل متزايد. ويحذر ماكدويل قائلاً: “هذه مجرد البداية؛ فالصين وشركات أخرى ستطلق آلاف الأقمار أيضاً، ومن المرجح أن نتجاوز حاجز 100,000 جسم في الفضاء قريباً”.

بينما تتعقب شبكات المراقبة مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية حوالي 40,000 جسم، هناك ملايين الأجسام الصغيرة التي لا يمكن تتبعها. ويقدر الخبراء أن هناك أكثر من 1.2 مليون جسم في الفضاء قادرة على إحداث “ضرر كارثي”. ويقول فيشنو ريدي، أستاذ علوم الكواكب: “التحدي الحقيقي ليس في الأجسام الكبيرة التي نراقبها، بل في الأجسام التي يقل حجمها عن 10 سنتيمترات والتي لا يمكننا تتبعها”.

متلازمة كيسلر: سيناريو يوم القيامة

يتمثل الكابوس الأكبر للعلماء في “متلازمة كيسلر” (Kessler Syndrome)، وهو سيناريو افتراضي يؤدي فيه حطام الفضاء إلى سلسلة من التفاعلات؛ حيث يصطدم جسم بآخر، مما يخلق مزيداً من الحطام، حتى يصبح مدار الأرض مزدحماً جداً لدرجة تمنع تشغيل أي أقمار صناعية مستقبلاً.

لتجنب ذلك، تفرض سبيس إكس على أقمارها المناورة عندما يكون احتمال الاصطدام 3 في 10 ملايين. ورغم هذا المعيار الصارم، نفذت أقمار ستارلينك 144,404 مناورة لتفادي المخاطر في فترة ستة أشهر فقط انتهت في مايو 2025، بزيادة قدرها 200% عن الفترة السابقة. هذا يعني مناورة واحدة كل 106 ثوانٍ تقريباً، وهو ما يجعل من الصعب على المشغلين الآخرين التنبؤ بمواقع الأقمار بدقة.

التأثير الكيميائي على الغلاف الجوي

عندما تنتهي صلاحية أقمار ستارلينك بعد حوالي خمس سنوات، يتم توجيهها لتحترق في الغلاف الجوي للأرض. ويحذر العلماء من أننا لا نفهم تماماً “كيمياء إعادة الدخول” وتأثيرها على الهواء الذي نتنفسه. وجدت دراسة ممولة من ناسا أن القمر الصناعي الواحد يطلق حوالي 66 رطلاً من جزيئات أكسيد الألومنيوم النانوية عند احتراقه. ومع زيادة عدد الأقمار، قد ترتفع هذه النسب إلى مستويات مقلقة تتجاوز المستويات الطبيعية بنسبة 640%، مما قد يغير تركيبة الستراتوسفير بشكل دائم.

مخاطر العواصف الشمسية والمدارات المنخفضة

يسمح الترخيص الجديد لستارلينك بتحريك أقمارها إلى مدارات أدنى (تصل إلى 211 ميلاً) لتقليل زمن الاستجابة (Latency). لكن هذا الارتفاع المنخفض يجعلها أكثر عرضة للعواصف الشمسية. يوضح البروفيسور ساشا ماينراث أن العواصف الشمسية تزيد من سحب الغلاف الجوي، مما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على الأقمار أو سقوطها، وهو ما يمثل تهديداً للبنية التحتية للخدمات الأساسية التي تعتمد على الإنترنت الفضائي.

المنافسة العالمية: الصين في المشهد

لا تقتصر المشكلة على سبيس إكس وحدها؛ فقد تقدمت الصين بطلب للاتحاد الدولي للاتصالات لإطلاق 200,000 قمر صناعي. ورغم شكوك البعض في قدرة الصين على تحقيق هذا الرقم، إلا أن المنافسة المحمومة على المدارات تزيد من تعقيد الوضع البيئي والأمني في الفضاء.

الخلاصة: توازن صعب بين التطور والبيئة

لا يمكن إنكار الفوائد الهائلة لخدمة ستارلينك، خاصة في المناطق الريفية والمحرومة حيث غيرت حياة الملايين بتوفير اتصال سريع بالعالم. ومع ذلك، فإن التحذيرات العلمية تشير إلى أن الثمن قد يكون باهظاً على المدى الطويل. إن ضمان استدامة الفضاء وحماية غلافنا الجوي يتطلب رقابة أكثر صرامة وتعاوناً دولياً يتجاوز مجرد السباق نحو الربح والسيطرة التكنولوجية.

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *