بين أزقةٍ فقدت ملامحها العمرانية، وتحت ركامٍ يختزن في طياته حكاياتٍ مؤلمة من الحصار والنزوح، يحاول أهالي مخيم اليرموك بدمشق استعادة نبض حياتهم الضائع. ومع كل محاولة للنهوض، يصطدم العائدون بواقع خدمي يوصف بـ "المرير"، ووعود رسمية لم تخرج عن إطار الشعارات، لتتحول العودة إلى رحلة شاقة في مواجهة الأنقاض والإهمال.
الوردة الوحيدة وسط الخراب: رمزية الصمود والألم
في مشهدٍ يختصر مأساة المخيم، رصدت التقارير الإعلامية نبتة وحيدة شقّت طريقها بين كتل الإسمنت المحطم؛ وصفها المراقبون بأنها "الكائن الوحيد الذي لا يشتكي" في اليرموك. هذه الوردة، رغم جمالها، تبرز حجم الدمار الهائل الذي يغطي معظم أرجاء المخيم، الذي كان يوماً ما عاصمة للشتات الفلسطيني ومركزاً تجارياً وحيوياً جنوب العاصمة السورية.
واقع معيشي يفتقر لأدنى المقومات
يعيش مئات العائدين إلى المخيم اليوم في ظروف إنسانية قاسية، حيث يفتقدون لأبسط مقومات الحياة الكريمة. وتتمثل أبرز التحديات التي تواجههم في النقاط التالية:
- انسداد المداخل والأزقة: تحولت "الدخلات" الضيقة إلى مسارات مسدودة تماماً بفعل الردم المتراكم، مما يمنع الأهالي من الوصول إلى منازلهم أو البدء بعمليات الترميم.
- غياب البنية التحتية: تفتقر المنطقة لشبكات الكهرباء والاتصالات، مع وصول شحيح وغير كافٍ للمياه الصالحة للشرب.
- المخاطر البيئية والأمنية: تنتشر الكلاب الضالة بين الأبنية المهدمة، مما يشكل خطراً حقيقياً على سلامة الأطفال والسكان في ظل غياب الإنارة الليلية.
من القبضة الأمنية إلى الإهمال الإداري
يروي السكان بمرارة الفارق بين الأمس واليوم؛ ففي سنوات سابقة، كان ترميم جدار بسيط يتطلب رحلة مضنية للحصول على "موافقة أمنية" من فروع المخابرات، وخضوع العائلة بأكملها لتدقيق أمني صارم.
أما اليوم، ورغم تخفيف تلك القيود، ظهر تحدٍّ أكبر يتمثل في "غياب الدور الحكومي". ويؤكد الأهالي أنه رغم مرور وقت طويل على استعادة السيطرة على المنطقة، لم تقدم المحافظة أو وزارة الإدارة المحلية أي خدمات ملموسة، ليبقى المخيم غارقاً في ركامه دون خطة إعمار حقيقية.
مبادرات المغتربين: إرادة تصطدم بجدار العجز
لم يقف الفلسطينيون في المغترب مكتوفي الأيدي تجاه مأساة مخيمهم. يروي أحد المغتربين العائدين من السويد كيف جلب معه معدات وآلات ثقيلة على نفقته الخاصة للمساهمة في إعادة الإعمار. لكن هذه المبادرات الفردية قوبلت بما وصفه بـ "الضحك على الناس" من قبل الجهات المسؤولة، مشيراً إلى أن المؤسسات الرسمية تفتقر للإرادة أو القدرة على تنفيذ مشاريع التعبيد أو مد الشبكات، مما ولد خيبة أمل عميقة لدى الراغبين في التغيير.
اليرموك: هل يبقى "خارج الخدمة"؟
يظل مخيم اليرموك، بمساحته التي تبلغ كيلومترين مربعين وموقعه الاستراتيجي جنوب دمشق، شاهداً على مأساة لم تنتهِ فصولها بعد. ورغم المشهد السوداوي، لا يزال الأهالي يتمسكون بـ "بذرة أمل" وسط الركام، منتظرين إجابة حقيقية على تساؤلهم المعلق: هل ستتحرك الجهات المعنية لإنهاء هذه المعاناة، أم سيبقى المخيم "منطقة منسية" إلى إشعار آخر؟
يبقى اليرموك أكثر من مجرد بقعة جغرافية؛ إنه رمز للذاكرة والهوية، وإعادة إحيائه ليست مجرد مطلب خدمي، بل هي ضرورة إنسانية وتاريخية لآلاف العائلات التي لا تزال تحلم بالعودة إلى بيوتها المرممة وشوارعها الآمنة.


اترك تعليقاً