مفهوم العمادة: جذور الأصالة والضبط الاجتماعي
تُعد عمادة الأسرة ركيزة أساسية في بناء المجتمعات العريقة، فهي ليست مجرد تشريف، بل هي أداة حيوية لحفظ التماسك واستمرار الروابط. تنبثق سلطة “العميد” من سياق اجتماعي يقدّر الوفاء ويوقر الكبار، حيث يمثل المرجعية التي تؤول إليها الأمور عند الشدائد. فالأسرة، بوصفها أهم الكيانات الإنسانية، أولى بأن يكون لها قائد حكيم يُرجع إليه، تماماً كما تتخذ المهن والحِرف شيوخاً يفصلون في منازعاتها.
سمات العميد: القيادة بالاحتواء لا بالتسلط
العميد في المنظور الإسلامي والاجتماعي الرشيد هو الوتد الذي يثبت خيمة الأسرة أمام رياح التغيير، وتتسم شخصيته بـ:
- الحكمة والرفق: يقود بالاحتواء والحنان لا بالقهر والشدة.
- المسؤولية الأخلاقية: تنطلق علاقتها بأسرته من عقد اجتماعي غير مكتوب، مبني على الاحترام المتبادل والتقدير.
- الرمزية والقدوة: هو السقف الذي يحتمي به الجميع، ومستودع الخبرات التي تنهل منها الأجيال.
- توحيد الموقف: جمع الكلمة وتمثيل الأسرة في المحافل الرسمية والمجتمعية.
- الصلح الداخلي: احتواء النزاعات في مهدها ومنع تحولها إلى قطيعة رحم أو قضايا في المحاكم.
- المرجعية الاستشارية: تقديم المشورة الناضجة بناءً على تراكم الخبرات السلوكية والحياتية.
- عمادة لا تقوم على “الأمر والنهي”، بل على الإقناع والحياد.
- مرجعية تحترم استقلال الأفراد وتدخل عند الأزمات لامتصاص المشكلات الصامتة.
- نموذج يوازن بين الانتماء للأصل وبين مقتضيات العصر الحديث.
الضرورات الواقعية لاختيار عميد الأسرة
إن تنصيب كبير للأسرة هو استجابة واعية لتحديات الواقع، ويحقق غايات ملموسة منها:
من الفردية إلى المؤسسية: حوكمة العمادة
لكي تستمر فعالية هذا المنصب في العصر الحديث، يجب ألا تُختزل العمادة في شخص الفرد فحسب، بل تتحول إلى “مؤسسة” قائمة على:
1. النظام الداخلي: وضع لوائح تحدد الصلاحيات وطرق اتخاذ القرار.
2. توزيع المهام: تعيين نواب للعميد ومجلس للحكماء يمثلون فروع الأسرة المختلفة.
3. التعاقب القيادي: تنظيم مدة العمادة بما يضمن سلاسة انتقال المسؤولية ومنع الفراغ القيادي.
4. الاحترافية: تبني لغة العصر في الإدارة مع الحفاظ على روح الأصالة.
تحديات العصر وسؤال التجديد
في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة ونزعة الفردية واستقلال الأسر الصغيرة، واجه مفهوم “الكبير” تهميشاً ملحوظاً. لذا، تبرز الحاجة اليوم إلى عمادة من نوع جديد:
الخاتمة: العميد كضرورة تربوية وحضارية
إن الأسرة التي تفتقد للمرجع تفقد بوصلتها وتصبح عرضة للتآكل الداخلي والذوبان في صراعات الدنيا. إن إحياء دور عميد الأسرة هو استثمار في “رأس المال الاجتماعي”، وهو صمام أمان يمنع انفصام العرى في زمن السيولة القيمية. إننا بحاجة إلى ذلك “الكبير” الذي يجمع القلوب، ويصون الذاكرة المشتركة، ويؤكد أننا -رغم تباعد المسافات- ننتمي إلى أصل واحد وجذر صلب لا ينكسر.

اترك تعليقاً