مستقبل مالي بين فكي كماشة: كيف يهدد التآكل السياسي والاقتصادي بقاء السلطة العسكرية؟

مستقبل مالي بين فكي كماشة: كيف يهدد التآكل السياسي والاقتصادي بقاء السلطة العسكرية؟

تواجه القيادة العسكرية الحاكمة في مالي تحديات وجودية متسارعة تضع قدرتها على إدارة الدولة واستقرار العاصمة باماكو على المحك. فبين حصار اقتصادي ولوجستي تفرضه الجماعات المسلحة على إمدادات الطاقة والغذاء، وضغط سياسي متصاعد من معارضة تسعى لاستعادة المسار الدستوري، تجد السلطة نفسها أمام مأزق "ثنائي الأبعاد" يهدد بتقويض شرعيتها وقبضتها الأمنية.

خناق لوجستي: باماكو تحت حصار الطاقة والغذاء

شهدت مالي منذ منتصف عام 2024 تحولاً دراماتيكياً في استراتيجية "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد أغ غالي. فبدلاً من المواجهات العسكرية المباشرة والمكلفة، ركزت الجماعة على خنق العاصمة عبر استهداف شرايين الحياة الاقتصادية.

  • استهداف قوافل الإمداد: تركزت الهجمات في مناطق حيوية مثل (موبتي، سيغو، وخاي) لقطع الطرق المؤدية إلى باماكو.
  • تكتيكات الإنهاك: شملت العمليات إحراق شاحنات الوقود، فرض إتاوات مرتفعة للمرور، وتعطيل وصول المواد الغذائية الأساسية.
  • الآثار الميدانية: أدى هذا التضييق إلى شلل اقتصادي متقطع، وطوابير طويلة أمام محطات الوقود، وانقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، مما دفع السلطة العسكرية في أكتوبر 2025 إلى تعليق الدراسة لمدة أسبوعين بسبب نقص الوقود.

بهذه الاستراتيجية، تمكنت الجماعة من التحكم "عن بُعد" في معيشة سكان العاصمة، محولةً العجز الحكومي عن توفير الأساسيات إلى أداة لزعزعة الاستقرار الداخلي.

البديل السياسي: تحركات الإمام ديكو في المنفى

بالتوازي مع الضغط العسكري، برز تحدٍ سياسي قوي يقوده الإمام محمود ديكو من منفاه في الجزائر. ففي النصف الثاني من عام 2025، أعلن عن تأسيس "هيئة القوى من أجل الجمهورية"، وهي كيان يهدف إلى:

  1. استعادة الدستور: المطالبة بإنهاء الحكم العسكري والعودة للمسار الديمقراطي عبر مرحلة انتقالية مدتها 18 شهراً.
  2. المقاومة السلمية: الاعتماد على الحشد الشعبي، وشبكات المساجد، ووسائل التواصل الاجتماعي لتقديم بديل سياسي جاهز.
  3. الشرعية التاريخية: يستند ديكو إلى شعبيته الجارفة التي كانت سبباً رئيسياً في سقوط نظام إبراهيم أبو بكر كيتا عام 2020.

التقاطع الخطير: كيف تخدم الأزمات بعضها؟

على الرغم من عدم وجود تنسيق معلن بين الجماعات المسلحة والمعارضة السياسية، إلا أن الضغوط التي يمارسها الطرفان تعمل بشكل تكاملي ضد المجلس العسكري:

  • تدهور المعيشة: كلما نجحت الجماعات المسلحة في قطع الإمدادات، زاد سخط الشارع، مما يصب مباشرة في مصلحة خطاب الإمام ديكو المعارض.
  • تشتيت الجهود: انشغال الجيش بمواجهة الاحتجاجات والإضرابات السياسية يمنح الجماعات المسلحة فرصة لتوسيع نفوذها الميداني ومحاصرة العاصمة بشكل أعمق.

التحالفات الدولية والبحث عن مخارج

تحاول الحكومة العسكرية بقيادة أسيمي غويتا فك هذا الخناق عبر مسارات بديلة:

  • التحالف الروسي: أبرمت باماكو اتفاقيات لاستيراد نحو 200 ألف طن من المنتجات البترولية والزراعية من روسيا، مع محاولة تأمين ممرات بديلة عبر موانئ السنغال أو كوت ديفوار، أو بالتنسيق مع حلفائها في "تحالف دول الساحل" (النيجر وبوركينا فاسو).
  • سلاح الذهب: تعتمد السلطة على تصدير الذهب لتمويل بقائها، مستفيدة من الطلب الروسي المتزايد عليه والتوجه العالمي لتقليل الاعتماد على الدولار.
  • خطاب السيادة: تستخدم الحكومة نبرة وطنية حادة ترفض التدخل الغربي (خاصة الفرنسي)، لتصوير الانقلاب كحركة تحرر سيادي، مما يساعدها في الحفاظ على قاعدة جماهيرية مؤيدة رغم الصعوبات الاقتصادية.

سيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه مالي؟

تترتب الاحتمالات القادمة للمشهد المالي بناءً على قدرة السلطة على الصمود:

  1. السيناريو الأول (تشديد القبضة): استمرار السلطة في النهج الأمني الصارم مع الاعتماد الكلي على الدعم الروسي والإقليمي، وهو سين

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *