مضيق هرمز تحت “الفرز السياسي”: هل انتهى زمن المرور الحر في أخطر ممر بحري بالعالم؟

مضيق هرمز تحت “الفرز السياسي”: هل انتهى زمن المرور الحر في أخطر ممر بحري بالعالم؟

مضيق هرمز: من الملاحة القانونية إلى "الفرز السياسي"

لم يعد السؤال المطروح اليوم حول مضيق هرمز هو "هل الممر مفتوح أم مغلق؟"؛ فالمشهد الحالي يتجاوز الثنائيات التقليدية. نحن أمام واقع جديد لا يشبه الإغلاق الكلي ولا يعكس الانسيابية الطبيعية، بل هو حالة من "العبور الانتقائي" المحكوم بحسابات الحرب والسياسة.

قواعد جديدة للاشتباك البحري

تبدلت معايير المرور في الممر الملاحي الأهم للطاقة عالمياً، فلم تعد خرائط البحر وقوانين الملاحة الدولية هي الحكم الوحيد. اليوم، تُحدد "هوية السفينة" ومدى "حيادها" وجهة سيرها، بناءً على رؤية الجهات المسيطرة في لحظات الاشتعال.

وقد تجلى هذا التحول في تصريحات مجلس الدفاع الإيراني، التي وضعت شرطاً صريحاً للمرور الآمن:

  • التنسيق المسبق: على الدول غير المنخرطة في الصراع التنسيق مع طهران لضمان عبورها.
  • الردع المتبادل: التحذير من أن أي هجوم على السواحل الإيرانية سيؤدي إلى تلغيم المسارات، مما يجعل الخليج بأكمله في وضع مشابه للمضيق.

التنسيق كبديل للحق التلقائي

انتقل الموقف الإيراني من مجرد تصريحات سياسية إلى "قواعد تشغيلية" على الأرض. لم يعد العبور حقاً تلقائياً مكفولاً بالقانون الدولي، بل أصبح مساراً يحتاج إلى اعتراف بالطرف المسيطر.

هذا التحول يغير جوهر القصة؛ فالمسألة لم تعد تتعلق باحتمالية إغلاق المضيق، بل بمن يملك سلطة تعريف "السفينة المحايدة" ومن يملك مفاتيح منح المرور أو حجبه، مما يحول البحر إلى مساحة للتفاوض السياسي.

لغة النجاة في الممرات الرمادية

أظهرت بيانات تتبع السفن هذا الواقع بشكل ملموس، حيث رصدت حالات عبور استثنائية:

  1. الناقلات الهندية: عبرت ناقلتان للغاز المسال ("باين غاز" و"جاغ فاسانت") المضيق بعد بث رسائل تعريفية تؤكد هويتها وطاقمها الهندي.
  2. إعلان الحياد: تحولت أنظمة التتبع من أدوات تقنية إلى وسيلة لإعلان الموقف السياسي والنجاة من الاستهداف.

وعلى الرغم من هذه الحالات، إلا أن الأرقام تشير إلى شلل شبه تام؛ حيث تراجع تدفق الناقلات بنسبة 95%، مع بقاء نحو 20 ألف بحار عالقين في مياه الخليج.

التدويل السياسي والضغط الاقتصادي

لم يعد تأزم الوضع في مضيق هرمز شأناً إقليمياً، بل تحول إلى أزمة دولية بامتياز:

  • كوريا الجنوبية: بدأت اتصالات مباشرة مع طهران لضمان سلامة سفنها، نظراً لاعتمادها الهائل على نفط وغاز المنطقة.
  • التحرك في مجلس الأمن: اقترحت البحرين، بدعم خليجي وأمريكي، مشروع قرار يجيز استخدام "الوسائل الضرورية" لحماية الشحن، وسط توقعات بتصادم دبلوماسي مع روسيا والصين.

الخلاصة: ممر يعمل بالاستثناء

إن ما يربك الأسواق العالمية اليوم ليس فقط خطر الصواريخ، بل غياب القاعدة المستقرة. مضيق هرمز الآن ليس مغلقاً تماماً، لكنه لم يعد مفتوحاً كما كان. إنه يعمل بمنطق "الاستثناء والفرز"؛ فمن ينسق يمر، ومن يثبت حياده ينجو، ومن يقع في دائرة الاشتباه يظل عالقاً في انتظار المجهول. في هذه المنطقة الرمادية، تتشكل الكلفة الحقيقية للحرب، والتي تتجاوز أسعار الطاقة لتصل إلى إعادة صياغة القوانين التي تحكم البحار.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *