سياق الصراع ومركزية العاصمة
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان، لم تكن الخرطوم مجرد ساحة للمواجهات العسكرية فحسب، بل تحولت إلى حجر الزاوية في معادلة بقاء الدولة وتماسك مؤسساتها. ويُجمع المراقبون على أن استعادة السيطرة الكاملة على العاصمة المثلثة تمثل المدخل الإلزامي لاستعادة الشرعية السياسية وتفعيل الأجهزة الإدارية التي أصيبت بشلل شبه كامل جراء القتال المستمر.
الخرطوم كشريان حيوي للاقتصاد والشرعية
تمثل الخرطوم المركز العصبي للاقتصاد السوداني، حيث تتركز فيها معظم المقار السيادية، والمصارف المركزية، والمراكز التجارية الكبرى. ويرتبط إحياء الاقتصاد الوطني ارتباطاً وثيقاً بعودة الاستقرار إلى العاصمة، إذ أن غياب السيطرة المركزية عليها أدى إلى نشوء مراكز ثقل بديلة ومؤقتة، مما أضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها في بقية الولايات.
تحديات العودة والتعافي الهش
تشهد بعض أحياء العاصمة عودة جزئية للسكان، إلا أن هذه العودة تصطدم بواقع مرير يتسم بدمار واسع في البنية التحتية. فمحطات المياه والكهرباء والمستشفيات تعاني من تآكل كبير، مما يجعل جهود التعافي تبدو هشة وبطيئة. وتعمل الجهات الخدمية في ظروف بالغة التعقيد لمحاولة إعادة الحد الأدنى من الخدمات الضرورية، وسط تحديات أمنية ولوجستية تعيق وصول الإمدادات والمواد الخام اللازمة للإعمار.
تحليل: العاصمة كشرط لوجود الدولة
يرى محللون سياسيون أن الدولة السودانية، بطبيعتها المركزية التاريخية، لا يمكن أن تدار بفعالية من خارج الخرطوم على المدى الطويل. فاستعادة العاصمة تعني رمزياً وعملياً استعادة هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون. كما أن العودة إلى الخرطوم تمثل رسالة للمجتمع الدولي بعودة الاستقرار، مما قد يفتح الباب أمام تدفق المساعدات وإعادة الإعمار التي يحتاجها السودان بشدة لتجاوز أزمته الراهنة.
خاتمة: آفاق المستقبل
في الختام، تبقى معركة الخرطوم هي المعركة الفاصلة في تحديد مصير السودان الحديث. فبينما تتواصل المساعي العسكرية والسياسية، يظل الرهان قائماً على مدى قدرة مؤسسات الدولة على تحويل السيطرة الميدانية إلى استقرار خدمي واجتماعي ملموس، يعيد للمواطن ثقته في الدولة ويضع حداً لحالة التشرذم التي تهدد كيان البلاد.
المصدر: TRT


اترك تعليقاً