لغز كيميائي في قلب النجوم المحتضرة
في كشف علمي أذهل مجتمع الفلك، نجح العلماء مؤخراً في رصد وجود جليد ثاني أكسيد الكربون داخل واحد من أكثر الأجرام السماوية تعقيداً، وهو سديم الفراشة (Butterfly Nebula) الواقع في برج العقرب. يأتي هذا الاكتشاف ليتحدى النظريات السابقة التي كانت تجزم بأن الإشعاع النجمي المكثف كفيل بتدمير مثل هذه الجزيئات الحساسة.
الاكتشاف الذي نُشر في منصة "أركسيف" (arXiv) وينتظر التحكيم النهائي، يفتح فصلاً جديداً في فهمنا لكيمياء النجوم في مراحلها الأخيرة، مؤكداً أن الطبيعة تمتلك آليات حماية فريدة تسمح ببقاء الجزيئات حتى في أقسى البيئات الكونية.
ما هو سديم الفراشة؟ ولماذا يثير اهتمامنا؟
تتشكل السدم الكوكبية مثل سديم الفراشة عندما تلفظ النجوم الشبيهة بشمسنا أنفاسها الأخيرة، حيث تطرد طبقاتها الخارجية من الغاز والغبار تاركة وراءها نواة ساخنة جداً.
أهم خصائص سديم الفراشة:
- المستقبل المرئي: يمثل صورة حية لما ستؤول إليه شمسنا بعد نحو 5 إلى 7 مليارات سنة.
- الهيكل الفريد: يمتد بقطر يصل إلى 3 سنوات ضوئية ويتميز بفصوص مزدوجة مذهلة.
- المختبر الكيميائي: يحتوي على حلقة غبارية كثيفة تجعل منه بيئة مثالية لدراسة تحولات المادة.
عين جيمس ويب الثاقبة تكشف المستور
بفضل أداة الأشعة تحت الحمراء المتوسطة "ميري" (MIRI) الموجودة على متن تلسكوب جيمس ويب الفضائي، تمكن العلماء من اختراق الغبار الكوني ودراسة المنطقة المركزية للسديم بدقة غير مسبوقة.
أظهرت القياسات الطيفية وجود ثاني أكسيد الكربون في حالته الغازية، إلى جانب نمط امتصاص يتطابق تماماً مع الخصائص المختبرية لجليد ثاني أكسيد الكربون. ويعد هذا أول تأكيد قاطع لوجود هذا النوع من الجليد في سديم كوكبي، وهو أمر مدهش نظراً لأن هذا الجليد يتبخر بسرعة تفوق تبخر الماء تحت تأثير الإشعاع.
كيف نجا الجليد من الإشعاع المدمر؟
طرح العلماء تساؤلاً جوهرياً: كيف يصمد الجليد أمام الإشعاع فوق البنفسجي العنيف؟ توصل الباحثون إلى أن الحلقة الغبارية الكثيفة المحيطة بالنجم تعمل كدرع طبيعي (Natural Shield)، حيث تقوم بحجب الإشعاعات القاتلة وتوفر ملاذاً آمناً يسمح للجزيئات الهشة والجليد بالبقاء على قيد الحياة.
نتائج الدراسة كشفت أيضاً عن:
- وجود مركبات عضوية معقدة مثل أيون الميثيل والهيدروكربونات العطرية.
- اختلاف نسبة الغاز إلى الجليد في السديم عنها في مناطق ولادة النجوم، مما يشير إلى آليات كيميائية مختلفة.
- قدرة النجوم المحتضرة على إثراء الفضاء الخارجي بعناصر وجزيئات معقدة قد تساهم في نشأة أنظمة كوكبية جديدة.
آفاق جديدة في الكيمياء الكونية
يؤكد هذا الاكتشاف أن سديم الفراشة ليس مجرد لوحة جمالية في السماء، بل هو مختبر طبيعي نادر. إن بقاء هذه الجزيئات الحساسة في ظل ظروف متطرفة يغير نظرتنا لكيفية انتقال المادة وتطورها في الكون، مما يمهد الطريق لفهم أعمق لكيفية مساهمة النجوم في بناء اللبنات الأساسية للكيمياء الكونية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً