مقدمة: نداء الروح إلى خالقها
في عالمٍ يموج بالاضطرابات وتتسارع فيه خطى الحياة المادية، يجد المسلم نفسه في حاجة ماسة إلى واحة روحانية تمنحه السكينة وتربط قلبه بخالقه. إن الجوهر الحقيقي للإسلام لا يتوقف عند أداء الشعائر الظاهرة فحسب، بل يمتد ليشمل عمق القلب وصفاء النية، وهو ما اصطلح عليه علماء الأمة بـ “مقام الإحسان”. هذا المقام الذي يمثل ذروة السنام في الرحلة إلى الله، حيث تصبح العبادة حياة، والحياة كلها عبادة.
أولاً: ماهية الإحسان في ضوء السنة النبوية
عندما سأل جبريل -عليه السلام- النبي ﷺ عن الإحسان، أجابه بجملة هي مجمع الفضائل ومنبع الرقائق، حيث قال: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك” (رواه مسلم). هذا الحديث العظيم يضعنا أمام مستويين من المشاهدة الروحية:
- مقام المشاهدة: وهو أن يمتلئ قلب العبد بمعرفة الله حتى كأنه يبصر جلاله وجماله بقلبه، فيستحي منه ويقبل عليه بكل جوارحه.
- مقام المراقبة: وهو اليقين الجازم بأن الله مطلع على خفايا النفوس وظواهر الأعمال، كما قال تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: 61].
ثانياً: مراقبة الله.. ثمرة المعرفة واليقين
إن المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه. يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14]. هذه الآية على قصرها، تمثل منهج حياة كاملاً؛ فمن استشعر أن عين الله ترقبه في خلوته وجلوته، تحولت حياته من الفوضى إلى الانضباط الروحي.
إن إحساس المؤمن بمعية الله الخاصة يبعث في نفسه طمأنينة لا تزلزلها الخطوب، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]. وهذه المعية تقتضي النصرة، والتأييد، والتسديد في الرأي والعمل.
ثالثاً: تجليات الإحسان في العبادات
الإحسان ليس مجرد فكرة تجريدية، بل هو واقع ملموس يتجلى في صلاة المسلم وصيامه وزكاته. في الصلاة، الإحسان يعني الخشوع التام، فلا يلتفت القلب لغير الله، مستحضراً قوله ﷺ: “إن العبد إذا قام يصلي لَما قام بين يدي الله عز وجل، فإذا التفت قال الله: إلى من تلتفت؟ إلى خير مني؟” (حديث حسن بمجموع طرقه).
أما في الصدقة، فالإحسان هو إخفاؤها وبذلها طيبة بها النفس، بعيداً عن الرياء أو المنّ والأذى، امتثالاً لقوله تعالى: (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]. إن المحسن يرى أن ما في يد الله أوثق مما في يده، فيجود برضا ويقين.
رابعاً: الإحسان في المعاملات وبناء الشخصية المسلمة
يمتد مقام الإحسان ليشمل علاقة الإنسان بالكون من حوله. المسلم المحسن هو الذي يتقن عمله، ويصدق في قوله، ويرحم الصغير ويوقر الكبير. يقول النبي ﷺ: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء” (رواه مسلم). هذا الشمول يعني أن الإحسان مطلوب حتى في لحظات الخلاف والغضب.
وعندما يتشرب القلب معنى المراقبة، يصبح الضمير هو الرقيب الأول قبل القوانين الوضعية. فلا يغش التاجر لأنه يعلم أن الله يراه، ولا يظلم المسؤول مرؤوسيه، ولا يخون المؤتَمَن أمانته. هكذا يبني الإحسان مجتمعاً متماسكاً يسوده العدل والمحبة.
خامساً: الأثر النفسي والروحي لمقام المراقبة
تعاني البشرية اليوم من أمراض القلق والاكتئاب والشتات الذهني، والإحسان هو الترياق النبوي لهذه الأدواء. عندما يعيش المسلم في رحاب قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [الحديد: 4]، يتلاشى شعور الغربة والوحدة.
المراقبة تمنح المؤمن قوة داخلية لمواجهة التحديات؛ فهو يعلم أن كل ما يصيبه هو بعين الله، وأن الله لا يقدر له إلا الخير. هذا الرضا القلبي هو جنة الدنيا التي قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”، وهي جنة القرب من الله والأنس به.
سادساً: كيف نصل إلى مقام الإحسان؟
الوصول إلى هذا المقام الرفيع يتطلب مجاهدة مستمرة وخطوات عملية، منها:
- كثرة الذكر: فالذكر يحيي القلب ويجعل استحضار عظمة الله أمراً يسيراً.
- تدبر القرآن الكريم: الوقوف عند معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، مثل (الرقيب، البصير، العليم).
- محاسبة النفس: أن يخصص المسلم وقتاً لمراجعة أعماله ونياته، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا”.
- صحبة الصالحين: الذين تذكرك رؤيتهم بالله، وتحثك أحوالهم على الطاعة.
خاتمة: الإحسان هو الغاية والمآل
إن رحلة المؤمن في هذه الحياة هي رحلة ترقٍ في مدارج العبودية، ولا غاية أسمى من أن ينال العبد محبة الله ورضوانه. الإحسان هو المفتاح الذي يفتح أبواب السماء، وهو النور الذي يضيء ظلمات النفس.
فلنجعل من مراقبة الله شعاراً لنا، ومن الإحسان دثاراً، ولنتذكر دائماً قول الحق سبحانه: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]. فبقدر ما تقدم من إحسان في عبادتك ومعاملتك، يفيض الله عليك من جوده وكرمه وإحسانه في الدنيا والآخرة.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا مقام الإحسان، وأن يجعلنا ممن يعبدونه كأنهم يرونه، وأن يملأ قلوبنا بخشيته ومحبته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً