منهج الصحابة الكرام في حماية الدين وموقفهم من أهل البدع

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستهل خطبه بالتحذير من البدع، مؤصلاً لقاعدة شرعية مفادها أن كل ما أُحدث في الدين على خلاف ما كان عليه هو وأصحابه فهو ضلالة. ومن هنا، يبرز دور الصحابة -رضي الله عنهم- كحائط صدٍ أول في مواجهة الانحرافات العقدية والعملية.

أولاً: حقيقة البدعة ومنطلق المبتدع

البدعة هي التعبد لله بما لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا سار عليه أصحابه. وتكمن خطورة المبتدع في عدة نقاط:

  • اتباع الهوى: المحرك الأساسي للمبتدع هو الهوى الممزوج بشبهات يظنها أدلة.
  • الاستدلال بالمتشابه: يترك المبتدع النصوص المحكمة الواضحة، ويتشبث بالمتشابه من الأدلة ليسوغ ضلاله.
  • صعوبة التوبة: البدعة أخطر من المعصية؛ لأن العاصي يعترف بذنبه فيرجى له التوبة، أما المبتدع فيرى بدعته ديناً يتقرب به إلى الله، فلا يفكر في الرجوع عنها غالباً.
  • ثانياً: مراتب تعامل الصحابة مع المبتدعة

    لم يكن تعامل الصحابة مع أهل البدع على وتيرة واحدة، بل انقسم وفقاً لحال المبتدع ومدى تأثره بالضلال:

    1. المبتدع المتأثر بشبهة عارضة (المناظرة والبيان):
    كان الصحابة يفتحون باب الحوار لمن التبست عليه الأمور ولم يتشرب قلبه البدعة بعد.

  • مثال: حوار جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- مع من تأثروا بفكر الخوارج، حيث بين لهم خطأ فهمهم لآيات الوعيد، مما أدى لرجوعهم جميعاً عن غيهم إلا رجلاً واحداً.
  • 2. المبتدع الداعية والمصرّ على بدعته (البراءة والتحذير):
    إذا استقر الباطل في قلب المبتدع وأخذ يدعو إليه، كان موقف الصحابة هو المفاصلة التامة.

  • مثال: براءة عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- من القدرية الأوائل حين قال: “أخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني”.
  • 3. زجر المبتدعة بالهجر والطرد:
    استخدم الصحابة الهجر وسيلة لحماية المجتمع وتأديب المخطئ.

  • مثال: طرد جندب بن عبد الله لطلْق بن حبيب من مجلسه لكونه يرى “الإرجاء”.
  • تحذير ابن عباس: “لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب”.
  • 4. التعزير بالعقوبة البدنية (عند القدرة):
    في حال وجود السلطة والقوة، كان يتم تأديب رؤوس البدع.

  • قصة صبيغ بن عسل: حين أظهر فتنة في فهم القرآن، جلده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ونفاه وأمر الناس بهجره حتى استقام أمره وتأكدت توبته.
  • ثالثاً: مخاطر مجالسة أهل الأهواء

    حذر السلف من مخالطة المبتدعة لغير ضرورة شرعية، وذلك للأسباب التالية:

  • انتقال الشبهات: القلب ضعيف والشبهات خطافة، والمخالطة قد تزرع الشك في اليقين.
  • تزيين الباطل: كثرة المساس تضعف الإحساس بخطورة البدعة، وقد ينبري المجالس للمدافعة عن المبتدع.
  • التلبيس على العامة: رؤية العالم أو طالب العلم مع المبتدع تعطي انطباعاً بصحة مذهبه.
  • رابعاً: فقه الهجر والمصلحة في العصر الحالي

    نقل المقال عن شيخ الإسلام ابن تيمية تأصيلاً مهماً حول “الهجر”، يتلخص في:

  • تغير الحكم بتغير الزمان والمكان: الهجر يُشرع إذا كانت فيه مصلحة راجحة تؤدي لضعف الشر.
  • الضعف والقوة: إذا كان أهل السنة في حالة ضعف، فإن التأليف قد يكون أنفع من الهجر.
  • الهدف من الهجر: الزجر والتأديب، وليس مجرد اتباع هوى النفس.
  • الحقوق الشرعية: هجر المبتدع لا يعني ظلمُه أو الاعتداء على حقوقه التي كفلها الشرع، بل قد تشرع زيارتهم لمصلحة الدعوة والبيان كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الكفار.

خاتمة:
إن صلاح حال الأمة مرتبط باتباع منهج الرعيل الأول الذين زكاهم الله ورسوله، فموقفهم من البدع لم يكن نابعاً من غلظة، بل من نصحٍ لله ودينه وحمايةً لجناب التوحيد من شوائب الضلال.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *