“`json
{
“title”: “أسرار التمني بين الغبطة والحسد: درر من أقوال السلف الصالح”,
“focus_keyword”: “التمني في الإسلام”,
“meta_description”: “تعرف على مفهوم التمني في الإسلام، والفرق بينه وبين الرجاء، وحكم تمني الموت أو زوال النعمة، من خلال درر منثورة من أقوال السلف الصالح والعلماء الأجلاء.”,
“tags”: “التمني, الرضا بالقضاء, الفرق بين الرجاء والتمني, أقوال السلف, الرقائق, الحسد والغبطة, تمني الشهادة”,
“content”: “# أسرار التمني في ميزان الشرع: درر منثورة من أقوال السلف الصالحnnالحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، الذين سطروا بزهدهم وورعهم أسمى معاني العبودية لله رب العالمين. أما بعد:nnفإن النفس البشرية جُبلت على التطلع والاشتياق، وإن من أعظم ما يُصلح بال المرء ويهذب سلوكه هو ضبط بوصلة أمانيه؛ فمن كبرت همته عظمت أمنيته، ومن كانت الآخرة همه ومبتغاه كانت أمانيه لها وتدور حولها، ومن دنت همته انشغل بسفاسف الأمور وأماني الدنيا الفانية. ولما كان التمني عملاً قلبياً خطيراً قد يرفع العبد إلى أعلى الدرجات أو يهوي به في دركات الحسد والاعتراض، كان لزاماً علينا أن نقف على بصيرة من أمرنا من خلال تتبع أقوال سلفنا الصالح في هذا الباب العظيم.nn## أولاً: حقيقة التمني ومفهومه في لسان العلماءnnالتمني ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو حركة قلبية وتصوير ذهني لما يرجوه العبد. وقد أبدع العلماء في توصيف هذه الحالة القلبية:nn* قال الراغب الأصبهاني رحمه الله: “التَّمنِّي: تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظنّ، وقد يكون عن رؤية وبناء على أصل، لكن لما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثر التَّمنِّي تصور ما لا حقيقة له”.n* وقال الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله: “التَّمنِّي: تشهِّي حُصول الأمر المرغُوبِ فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون”.n* وقال الإمام القرطبي رحمه الله: “التَّمنِّي: نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل”.n* وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “التَّمنِّي إرادة تتعلق بالمستقبل فإن كانت في خير من غير أن تتعلق بحسد فهي مطلوبة وإلا فهي مذمومة”.nnإن هذه التعريفات تضعنا أمام حقيقة كبرى، وهي أن التمني إما أن يكون دافعاً للعمل الصالح والرفعة، وإما أن يكون مجرد أوهام وخيالات كاذبة تُقعد العبد عن العمل وتورثه الحسرة.nn## ثانياً: الفرق بين الرجاء والتمني.. شتان بين الثرى والثرياnnيخلط الكثير من الناس بين مفهومي الرجاء والتمني، بيد أن الفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض في ميزان السلوك والعمل. وقد جلى هذا الفرق العلامة ابن القيم رحمه الله بقوله: “الفرق بين الرجاء والتمني: أن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز، والتمني: حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه”.nnفالرجاء عبادة الأقوياء العاملين، الذين يزرعون ويطمعون في الحصاد، أما التمني فهو بضاعة المفاليس الذين ينتظرون الثمار دون غرس، وهو نوع من العجز الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم.nn## ثالثاً: أنواع التمني ووجوهه في الشريعةnnلقد صنف العلماء التمني إلى أنواع تختلف باختلاف المقصد والمضمون، وقد لخص الإمام ابن الجوزي رحمه الله هذه الوجوه في ثلاثة أصناف رئيسية:nn1. الحسد المذموم: وهو أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير، وهذا هو الداء العضال الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.n2. الغبطة المحمودة: وهي أن يتمنى مثل ما لغيره من الفضل والخير، دون أن يرجو زواله عن الغير، وهذا هو التنافس المحمود في أبواب الخير.n3. الأماني المستحيلة: كأن تتمنى المرأة أن تكون رجلاً ونحو ذلك مما لا يقع، وهنا يجب أن يعلم العبد أن الله أعلم بالمصالح، وأن الاعتراض على القدر باب من أبواب الخذلان.nn## رابعاً: حكم التمني في ميزان الفقهnnلا يأخذ التمني حكماً واحداً، بل هو وعاء يمتلئ بما يضعه العبد فيه. يقول العلامة العثيمين رحمه الله: “التمني يكون بحسب ما يتمناه الإنسان، فإن كان في مباح فهو مباح، وإن كان في مُحرَّم فهو حرام، وإن كان في غير ذلك فله حكم ما تمناه الإنسان”.nnفمن تمنى العلم ليعمل به فله أجر، ومن تمنى المال لينفقه في سبيل الله فله أجر، ومن تمنى المعصية والفساد فقد باء بالإثم.nn## خامساً: التمني المذموم.. تحذيرات نبوية وأقوال سلفيةnnحذرت الشريعة الغراء من أنواع معينة من التمني لما فيها من سوء أدب مع الله أو إضرار بالنفس والمجتمع:nn### 1. تمني زوال نعمة الغير (الحسد)nقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: “الحسد أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، سواء تمناها لنفسه أم لا، وهو حرام، والغبطة: أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، وهو جائز”.nويؤكد العلامة السعدي رحمه الله على خطورة هذا الفعل بقوله: “الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك، ويسلب إياها، ولأنه يقتضي السخط على قدر الله، والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة، التي لا يقترن بها عمل ولا كسب”.nn### 2. تمني الموت لضر نزل بالعبدnنهى الشارع الحكيم عن طلب الموت فراراً من بلاء الدنيا. سُمع رجل يتمنى الموت فقال له ابن عمر رضي الله عنهما: “لا تتمن الموت، فإنك ميت، ولكن سل الله العافية”.nوبين الحافظ ابن رجب رحمه الله حكمة النهي قائلاً: “تمنى الموت لضر دنيوي ينزل بالعبد فيُنهى حينئذ عن تمنى الموت… ووجه كراهته في هذه الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلاً للاستراحة من ضره، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعله يصير إلى ضر أعظم من ضره، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار”.nويضيف الحافظ ابن حجر رحمه الله: “وحكمة النهي عن ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض ومرغمة للقدر”.nوقد أجمل العلامة ابن باز رحمه الله الموقف بقوله: “ينبغي للمؤمن ألا يتمنى الموت، ولا يدعو به، فإنه كما قال صلى الله عليه وسلم إما محسن فلعله أن يزداد، وإما مُسيء فلعله أن يستعتب، يعني: يتوب”.nn### 3. تمني البلاء ولقاء العدوnمن سوء الأدب تمني البلاء أو استعجاله. يقول العلامة العثيمين رحمه الله: “لا ينبغي للإنسان أن يتمنى البلاء، فإنه إذا تمنى البلاء فربما لا يصبر إذا نزل به”. واستشهد بقصة سحنون رحمه الله الذي تمنى الامتحان ليظهر صبره، فابتلي بعسر البول فكان يدور على الصبيان ويقول: “ادعوا لعمكم الكذاب”.nأما عن تمني لقاء العدو، فقد قال الإمام النووي رحمه الله: “نهي عن تمنى لقاء العدو لِما فيه من صورة الإعجاب، والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله تعالى لمن بُغي عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو، واحتقاره، وهذا يخالف الاحتياط والحزم”.nn### 4. تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعضnقال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}. وضح الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله أن هذه الآية نزلت في نساء تمنين منازل الرجال، فنهى الله عن الأماني الباطلة التي تورث الحسد.nوعلق الحافظ ابن كثير رحمه الله بقوله: “قوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، أي أن التمني لا يجدي شيئًا، ولكن سلوني من فضله أعطكم، فإني كريم وهاب”.nn## سادساً: التمني المحمود.. أماني الصالحينnnعلى الضفة الأخرى، هناك أمانٍ ترفع العبد إلى عليين، وهي الأماني المتعلقة بالآخرة والقرب من الله:nn* تمني الأعمال الصالحة: قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “ولتكن أمانيه الزيادة من عمل الآخرة”. وقال الإمام ابن عطية رحمه الله: “وأما التَّمنَّي في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن”.n* تمني الشهادة في سبيل الله: هي أسمى الأماني، وقد روى لنا التاريخ قصة عبدالله بن حذافة رضي الله عنه حين أسره الروم وعرضوا عليه التنصر فأبى، فلما رأى الأسارى يُلقون في الزيت المغلي بكى، لا جزعاً، بل قال: “تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله”.n* ويعلق العلامة العثيمين رحمه الله: “من تمنى الشهادة بصدق فإن الله تعالى يعطيه منزلة الشهداء ولو مات على فراشه… ومن المعروف أن من تمنى الشيء بصدق فلا بد أن يفعل أسبابه”.nn## سابعاً: كيف نحقق أمانينا المباحة؟nnإن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، وقد فتح لنا باب السؤال والدعاء. يقول الإمام البغوي رحمه الله: “من يتمنى شيئاً مباحاً من أمر دنياه وآخرته، فليكن فزعه فيه إلى الله عز وجل، ومساءلته منه، وإن عظمت أمنيته، قال الله عز وجل: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}”.nnواليقين بالله هو مفتاح العطايا، فقد قال العلامة العثيمين رحمه الله: “كثيرًا ما يتمنى الإنسان الشيء ثم يسره الله عز وجل له بدون سبب حسيّ معلوم”.nnخاتمة المقال:nأيها المسلم، اجعل قلبك معلقاً برب الأرض والسماوات، وطهر أمانيك من شوائب الحسد والاعتراض، واجعل همك الأكبر هو الفوز برضا الله وجنته. فالمؤمن الحق هو من يرجو الله بالعمل، ويسأله من فضله بالدعاء، ويصبر على مقاديره بالرضا. نسأل الله عز وجل أن يجعل أمانينا في طاعته، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.nn**كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشوير

اترك تعليقاً