# من هم خيار الناس؟ رحلة البحث عن القمة في ميزان النبوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن النفس البشرية مفطورة على حب الكمال، والبحث عن الرفعة، والتطلع إلى أن تكون في مقدمة الصفوف. ولكن الموازين الأرضية قد تخدع أصحابها، فمن الناس من يرى الخيرية في كثرة المال، ومنهم من يراها في الجاه والسلطان، ومنهم من يراها في الشهرة والأضواء. بيد أن المؤمن الحق يعلم أن الميزان الحقيقي هو ميزان الوحي، وأن لقب “خير الناس” لا يُنال بالأماني، بل بصفات حددها المصطفى ﷺ بدقة متناهية.
فتش عن نفسك بين هذه السطور، وانظر أين موقعك من هذه المراتب العلية التي رسمها لنا نبي الرحمة ﷺ، لنعرف من هم خيار الناس حقاً.
أولاً: الارتباط بكلام الله تعالى
يقول النبي ﷺ: «خيرُكم من تَعلَّمَ القــرآنَ وعلَّمَه».
هذه هي الخيرية المطلقة التي تبدأ من مائدة القرآن الكريم. إن تعلم القرآن ليس مجرد تجويد للحروف، بل هو فقه للحدود، وعمل بالأحكام، وتخلق بأخلاق الوحي. إن الذي يجلس ليتعلم آية أو يعلمها لغيره، إنما يضع نفسه في أرقى مراتب الأمة الإسلامية. فالقرآن هو حبل الله المتين، ومن تمسك به كان من خيار الناس، لأن شرف العلم من شرف المعلوم، ولا معلوم أجلّ وأعظم من كلام رب العالمين.
ثانياً: جمال الروح وطيب الأخلاق
يقول ﷺ: «خِيَارُكُم أحَاسِنُكم أخْلاقَاً».
الأخلاق هي العملة التي لا تبور في سوق الآخرة. لقد لخص النبي ﷺ بعثته كلها في تتميم مكارم الأخلاق. إن الإنسان قد يبلغ بالصلاة والصيام مراتب معينة، لكنه بحسن خلقه يبلغ درجة الصائم القائم. خيار الناس هم أولئك الذين إذا رأيتهم ذكرت الله، الذين يفيضون أدباً وتواضعاً وحلماً، الذين لا يؤذون أحداً بلسانهم ولا بفعالهم.
ثالثاً: الأمانة والوفاء في المعاملات المالية
يقول ﷺ: «خيـرُكم أحسنُكم قضَاءً» أي عند رد القرض (الدين).
كثيرون هم العباد في المحاريب، ولكن القليل هم الأتقياء في الأسواق والمعاملات. خيار الناس هم الذين إذا استدانوا وفوا، وإذا وعدوا أنجزوا. إن المماطلة في أداء الحقوق تذهب ببركة العمر والمال، أما من يسارع إلى رد الديون بطيب نفس وكلمة طيبة، فهو ممن اصطفاهم النبي ﷺ بلقب الخيرية.
رابعاً: كف الأذى وبذل المعروف
يقول ﷺ: «خيـرُكم من يُرجَىٰ خيرُهُ ويُؤمٓنُ شَرُّهُ».
هذا هو الميزان الاجتماعي الدقيق. هل أنت مصدر أمان لمن حولك؟ هل يطمئن الناس لجانبك؟ خيار الناس هم الذين يمثلون صمام أمان لمجتمعاتهم؛ فلا يخرج منهم إلا الخير، ولا يُتوقع منهم إلا النفع، أما شرورهم فمكفوفة، وألسنتهم عن أعراض الناس محبوسة.
خامساً: المروءة في التعامل مع الأهل
يقول ﷺ: «خيـرُكم خيـرُكم لأهلِه».
هنا الاختبار الحقيقي للمعدن. فالإنسان قد يتصنع الأخلاق أمام الغرباء لينال ثناءهم، لكنه في بيته يسقط القناع وتظهر الحقيقة. خيار الناس هم الذين يكونون في بيوتهم أرحم الناس، وألطف الناس، وأصبر الناس. فمن فشل في أن يكون خيراً لأمه وزوجته وأبنائه، فخيريته في الخارج مجرد زيف وخداع.
سادساً: إطعام الطعام وإفشاء السلام
يقول ﷺ: «خيـرُكم مَنْ أطعمَ الطَّعامَ وردَّ السَّلامَ».
هذه الصفة تعكس الكرم النفسي والاجتماعي. إطعام الطعام يسد جوعة الفقير ويؤلف قلب الغني، ورد السلام ينشر المحبة والأمان. خيار الناس هم أصحاب الأيدي الممدودة بالعطاء، والقلوب المفتوحة للجميع، والذين يجعلون من مجتمعاتهم جسداً واحداً يشد بعضه بعضاً.
سابعاً: السكينة والتواضع في الصلاة
يقول ﷺ: «خِيَارُكم ألينُكم مناكبَ في الصَّلاةِ».
لين المنكب في الصلاة كناية عن التواضع للمؤمنين وإفساح المجال لهم في الصفوف، وعدم التكبر أو التزاحم الذي يؤذي المصلين. خيار الناس هم الذين يملأ الخشوع قلوبهم فتخضع جوارحهم، ويكونون لينين هينين مع إخوانهم في بيوت الله.
ثامناً: البركة في العمر والعمل
يقول ﷺ: «خيـرُ النَّاسِ مَن طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه».
العمر هو رأس مال المؤمن، فإذا استثمره في طاعة الله كان من الرابحين. خيار الناس هم الذين لا يزيدهم مرور الأيام إلا اقتراباً من الله، ولا تزيدهم الشيبة إلا وقاراً في الدين واجتهاداً في الصالحات، حتى يلقوا الله وهو راضٍ عنهم.
تاسعاً: النفع المتعدي للآخرين
يقول ﷺ: «خيـرُ النَّاسِ أنفعُهُم للنَّاسِ».
الإسلام ليس ديناً انطوائياً، بل هو دين العطاء. خيار الناس هم الذين يبحثون عن حاجات الناس ليقضوها، وعن همومهم ليزيلوها. سواء كان النفع بعلم، أو بمال، أو بجاه، أو حتى بكلمة طيبة. فبقدر ما تقدم للخلق، ترتفع مكانتك عند الخالق.
عاشراً: الإحسان إلى الدائرة القريبة (الصاحب والجار)
يقول ﷺ: «خيـرُ الأصحابِ عند الله خيرُهُم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرُهُم لجارِه».
الصداقة والجوار أمانتان في عنق المؤمن. خيار الناس هم الذين يحفظون غيبة أصحابهم، ويقيلون عثرات جيرانهم. إن الذي يأمن جاره بوائقه، والذي يجد الصاحب في ظله السند والعون، هو الذي استحق التفضيل الإلهي.
حادي عشر: طهارة القلب وصدق اللسان
يقول ﷺ: «خيـرُ النَّاسِ ذُو القلبِ المَخْمُوم، واللِّسان الصَّادق». قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه ، فما مخمومُ القلبِ؟ قال: «هو النقيُّ التقيُّ، لا إثمَ عليه، ولا بغيَ، ولا غلَّ، ولا حسدَ».
هذا هو مسك الختام، وجوهر الخيرية. إنها نظافة الداخل قبل الخارج. خيار الناس هم الذين غسلوا قلوبهم بماء التقوى، فلا يحملون حقداً على مسلم، ولا يحسدون أحداً على ما أتاه الله من فضله. قلبٌ نقي كالثوب الأبيض، لا يعرف الغل ولا البغي، ولسانٌ لا ينطق إلا بالحق والصدق.
خاتمة وتأمل
إن هذه الصفات التي ذكرها النبي ﷺ ليست مجرد شعارات، بل هي منهج حياة متكامل. إنها دعوة لكل واحد منا ليقف مع نفسه وقفة محاسبة: أين أنا من هذه الخيرية؟ هل أنا ممن يتعلم القرآن ويعلمه؟ هل أنا خيرٌ لأهلي؟ هل قلبي مخمومٌ نقي؟
إن الطريق لتكون من خيار الناس يبدأ بنية صادقة، وعزم أكيد على التغيير. فاجعل لنفسك حظاً من كل حديث، وجاهد نفسك لتتصف بهذه الأخلاق النبوية، لعل الله أن يحشرنا في زمرة الأخيار، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، واجعلنا من خيار عبادك الذين تحبهم ويحبونك.

اترك تعليقاً