مهندسو الكربون المجهريون: كيف تتحكم العوالق المكلسة في مستقبل مناخ الأرض؟

مهندسو الكربون المجهريون: كيف تتحكم العوالق المكلسة في مستقبل مناخ الأرض؟

مهندسو الكربون المجهريون: كيف تتحكم العوالق المكلسة في مستقبل مناخ الأرض؟

في أعماق محيطاتنا الواسعة، تجري عملية حيوية صامتة تقودها كائنات مجهرية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تمتلك القدرة على تحديد مصير مناخ كوكبنا. هذه الكائنات، المعروفة باسم العوالق المكلسة، تعمل كـ "مهندسين" بارعين في استخلاص الكربون من الغلاف الجوي ودفنه في أعماق البحار، مما يساهم بفعالية في تبريد الأرض.

ما هي العوالق المكلسة؟

العوالق المكلسة هي كائنات بحرية دقيقة تبني أصدافاً وهياكل من كربونات الكالسيوم (CaCO3). تلعب هذه الكائنات دوراً محورياً في التوازن البيئي، وتصنف إلى ثلاث مجموعات رئيسية تختلف في وظائفها وتأثيرها البيئي.

وفقاً لدراسة حديثة نشرتها مجلة "ساينس" (Science)، فإن هذه الكائنات هي المحرك الأساسي لما يُعرف بـ "مضخة الكربون" في المحيطات.

رحلة الكربون من السماء إلى قاع المحيط

تعمل العوالق المكلسة وفق آلية دقيقة تساهم في حماية الغلاف الجوي:

  1. الالتقاط: تمتص هذه الكائنات الكربون أثناء نموها لبناء أصدافها.
  2. النقل: عند موتها، تهبط أجسادها وأصدافها نحو الأعماق، حاملةً معها الكربون المخزن.
  3. التخزين: يستقر هذا الكربون في قاع البحر لفترات زمنية طويلة، مما يمنعه من العودة للغلاف الجوي كغازات دفيئة.

بالإضافة إلى ذلك، تشكل بقايا هذه الكائنات الرواسب البحرية التي يستخدمها العلماء كـ "سجل تاريخي" لفهم التغيرات المناخية التي مرت بها الأرض عبر العصور.

فجوة خطيرة في نماذج المناخ العالمية

حذرت الدراسة التي قادها فريق من معهد علوم وتكنولوجيا البيئة بجامعة برشلونة المستقلة (ICTA-UAB) من أن النماذج المناخية الحالية قد تكون مضللة. والسبب يعود إلى تجاهل عملية تُعرف بـ "الذوبان الضحل".

ما هو الذوبان الضحل؟

تكتشف الدراسة أن جزءاً كبيراً من كربونات الكالسيوم لا يصل أبداً إلى القاع، بل يذوب في الطبقات العليا للمحيط نتيجة الأنشطة البيولوجية مثل الافتراس وتنفس الميكروبات. هذه العملية تغير كيمياء المياه السطحية وتؤثر على كفاءة تخزين الكربون، وهو أمر لا تزال معظم النماذج الرقمية للمناخ تفتقر إلى حسابه بدقة.

ضرورة التفريق بين المجموعات الحيوية

تؤكد الباحثة "باتريتسيا زيفيري" أن التعامل مع العوالق المكلسة ككتلة واحدة هو خطأ علمي. فالمجموعات الثلاث لهذه العوالق تستجيب بشكل مختلف للضغوط البيئية، ودمجها في نموذج واحد يبسط الواقع المعقد ويخفي مخاطر حقيقية قد تواجه المحيطات نتيجة الاحتباس الحراري.

التوصيات والمستقبل

يدعو العلماء اليوم إلى ضرورة:

  • تكثيف القياسات الميدانية: لتحديد كمية ما تنتجه كل مجموعة من كربونات الكالسيوم بدقة.
  • تحديث النماذج الرقمية: لإدراج التفاصيل البيولوجية الدقيقة وتفاعلات الكربون في الطبقات السطحية.
  • تحسين التوقعات: لضمان بناء استراتيجيات مناخية تعتمد على بيانات شاملة وحقيقية.

في الختام، تذكرنا هذه الدراسة بأن استقرار مناخنا يعتمد على توازن دقيق تقوده أصغر الكائنات. إن فهم دور العوالق المكلسة ليس مجرد ترف علمي، بل هو ضرورة حتمية لرسم خريطة طريق دقيقة لمواجهة أزمة المناخ العالمية.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *