موقف المسلم من الأحداث الجارية: دليل إيماني لمواجهة الفتن

# موقف المسلم من الأحداث الجارية: رؤية شرعية وتوجيهات إيمانية

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

أيها المسلمون، عباد الله.. إن المتأمل في ملكوت الله، والمتفكر في أحوال خلقه، يدرك يقيناً أن من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على العباد، بعد نعمة الإيمان، هي نعمة الأمن والطمأنينة. فبالأمن تستقر الحياة، وتطمئن النفوس، وتؤدى العبادات في خشوع، ويسعى الناس في مناكب الأرض طلباً للمعاش والأرزاق. فإذا فُقد الأمن، اضطربت السبل، وانقطعت الأرزاق، وحل الخوف والوجل محل السكينة والعمل.

ولأهمية هذه النعمة العظيمة، امتن الله بها على عباده في كتابه الكريم، فقال سبحانه في سورة قريش: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}. فجعل الأمن قريناً للشبع من الجوع، وهما عماد حياة الإنسان المستقرة. وقد لخص النبي ﷺ عظمة هذه النعمة في كلمات جامعة مانعة، فقال ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». فمن ملك الأمن والعافية والكفاف، فقد ملك الدنيا بحذافيرها، فما أحرانا أن نشكر الله على هذه النعم العظيمة.

واقع العالم وتقلبات الأحوال

أيها المسلمون.. إننا نعيش في عالم يشهد بين الحين والآخر أحداثاً جساماً، وتقلبات متسارعة، وفتناً تموج كموج البحر. يتابع الناس أخبارها، ويترقبون تطوراتها، وهذا في أصله أمر طبيعي تفرضه طبيعة العصر وتوافر وسائل الاتصال. ولكن، هنا يبرز الفارق بين المؤمن العاقل وغيره؛ فالمؤمن لا تتقاذفه الأمواج، ولا تسيطر عليه الشائعات، بل يتعامل مع هذه الأحداث الجارية بهدي الإسلام العظيم، وبآداب الشريعة الغراء التي وضعت لنا منهجاً واضحاً في كيفية إدارة الأزمات والتعامل مع الفتن.

إن موقف المسلم من الأحداث الجارية ليس موقفاً انفعالياً عشوائياً، بل هو موقف منضبط بضوابط الوحي، مستنير بنور النبوة. وفيما يلي نفصل في أهم التوجيهات والآداب التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها في زمن الأزمات.

أولاً: الرجوع إلى الله وتجديد الإيمان

إن أول وأهم خطوة في موقف المسلم من الأحداث الجارية هي العودة الصادقة إلى الله عز وجل. فالأحداث والابتلاءات ما هي إلا رسائل تذكير للعبد بضعفه وعجزه، وحاجته الماسة إلى خالقه ومدبر أمره. يقول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}.

إن المؤمن الحق يرى في تقلب الأحوال فرصة للتوبة والاستغفار، ومراجعة النفس، والإكثار من الطاعات. فالمحن تقرب القلوب من علام الغيوب، وتدفع العبد للاستغناء بالله عما سواه. إن تجديد الإيمان في وقت الفتن هو العاصم من الانزلاق وراء اليأس أو القنوط، وهو الذي يمنح النفس الثبات واليقين بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده.

ثانياً: التثبت من الأخبار وترك الشائعات

في زمن تسارعت فيه وتيرة انتقال المعلومات، أصبح من الضروري جداً أن يتحلى المسلم بصفة التثبت. فكم من خبر كاذب أشاع الخوف والبلبلة في صفوف الناس وهو لا أساس له من الصحة! وكم من شائعة هدمت بيوتاً وفرقت مجتمعات.

لقد وضع القرآن الكريم قاعدة ذهبية في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}. والتبيّن يعني التحقق والتروي قبل نقل الخبر أو تصديقه. وقد حذر النبي ﷺ من التساهل في نقل كل ما يسمع، فقال ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».

إن موقف المسلم من الأحداث الجارية يقتضي منه أن يكون واعياً، لا ينجر خلف العواطف الجياشة التي تثيرها منصات التواصل الاجتماعي، بل يعرض كل ما يصله على ميزان العقل والشرع، ويترك الأمر لأهل الاختصاص والمسؤولين.

ثالثاً: عدم الانشغال بالأحداث عن الواجبات

من الملاحظ في زمن الأزمات أن بعض الناس ينخرطون في تتبع الأخبار والتحليلات لساعات طوال، حتى يغرقوا في تفاصيل لا تنفعهم، بل قد تضرهم بزيادة القلق والتوتر. والأخطر من ذلك هو أن يؤدي هذا الانشغال إلى تضييع الواجبات الشرعية أو الدنيوية.

لقد رأينا من يضيع صلاته، أو يهمل عمله، أو يقصر في حق أهله بحجة متابعة “الأحداث الجارية”. وهنا يذكرنا الهدي النبوي بضرورة ترتيب الأولويات، حيث قال النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». إن انشغالك بما لا تستطيع تغييره على حساب ما أنت مأمور به هو نوع من الخذلان. فالمسلم مطالب بأن يقوم بواجباته على أكمل وجه، وأن يجعل اهتمامه بالأحداث في حدود المعقول الذي لا يخل بعبادته ومسؤولياته.

رابعاً: الدعاء واللجوء إلى الله

الدعاء هو سلاح المؤمن القوي، وهو الحبل المتصل بين العبد وربه. في وقت الأزمات والفتن، ينبغي للمسلم أن يكثر من التضرع إلى الله بأن يحفظ البلاد والعباد، وأن يصرف السوء والمحن. قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

إن الدعاء ليس مجرد كلمات تقال، بل هو اعتراف بالعبودية لله، وثقة مطلقة في رحمته وقدرته. فالمؤمن الصادق يعلم أن الدنيا دار ابتلاء وتقلب أحوال، ولكنه يثق بربه ويلجأ إليه في كل حين. فلنكثر من الدعاء بأن يديم الله علينا نعمة الأمن والاستقرار، وأن يرفع البلاء عن المسلمين في كل مكان.

خامساً: العبادة في وقت الفتن والهرج

لقد وجهنا النبي ﷺ إلى فضيلة عظيمة تغيب عن الكثيرين وقت الاضطرابات، وهي لزوم العبادة. فعن النبي ﷺ أنه قال: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ». والهرج هو وقت الاختلاط والفتن والقتل.

لماذا كانت العبادة في هذا الوقت بهذه المنزلة العالية؟ لأن الناس يغفلون عنها وينشغلون بالقيل والقال، فمن أقبل على ربه وأصلح ما بينه وبين الله في وقت غفلة الناس، كان له أجر عظيم كأجر الهجرة إلى النبي ﷺ. لذا، فإن موقف المسلم من الأحداث الجارية يجب أن يتميز بالحكمة والروية، وعدم الانجرار وراء الفتن، بل التعلق الدائم بالخالق، والمحافظة على الدين، وإصلاح النفس والأهل.

خاتمة وتوصيات

عباد الله.. إن المؤمن الصادق هو من يزن الأمور بميزان الشرع، فلا يتهور في قول أو فعل، ولا يفرط في أمانة استودعه الله إياها. إن حفظ الأمن مسؤولية مشتركة، تبدأ بضبط اللسان، وتنتهي بالعمل الصالح وبناء المجتمع.

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان. اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء وفتنة، ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى. اللهم احفظ جنودنا ورجال أمننا، وسدد رميهم، وانصرهم على من عاداهم. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

ثم صلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم الله في محكم كتابه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الأطهار.

***
*الكاتب الأصلي: إبراهيم بن سلطان العريفان*
*إعادة صياغة وتطوير: خبير المحتوى الإسلامي وSEO*

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *