وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي تلتهم وقتنا: فيلم وثائقي جديد يكشف مخاطر “اقتصاد الانتباه”

وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي تلتهم وقتنا: فيلم وثائقي جديد يكشف مخاطر “اقتصاد الانتباه”

هل تتذكر شكل العالم قبل ظهور الهواتف المحمولة؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه الفيلم الوثائقي الجديد “Your Attention Please” (انتباهك من فضلك)، الذي عُرض لأول مرة هذا الأسبوع في مهرجان “ساوث باي ساوث ويست” (SXSW) في أوستن، تكساس. بالنسبة لجيل نشأ وسط صخب التنبيهات والتمرير اللانهائي، يبدو هذا السؤال صادماً؛ حيث يدرك الكثيرون أنهم قضوا معظم حياتهم داخل ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه” دون أن يختبروا الحياة خارجه أبداً.

من العادات الفردية إلى الأنظمة الشمولية

في البداية، كانت المخرجة سارة روبن تطمح لتقديم عمل محدود يتناول تجارب أشخاص يحاولون استعادة تركيزهم عبر كسر عاداتهم السيئة مع الهواتف. ولكن، مع تعمقها في المقابلات مع الباحثين وخبراء التكنولوجيا والعائلات المتضررة، اتسع نطاق الفيلم ليصبح تحقيقاً شاملاً في كيفية تصميم الأنظمة التكنولوجية الحديثة لصياغة السلوك البشري، بدءاً من صعود شبكات التواصل وصولاً إلى الهيمنة المتزايدة للذكاء الاصطناعي.

إعادة برمجة القيم الإنسانية

يوضح الفيلم كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تغير طريقة تواصلنا فحسب، بل أعادت برمجة ما نقدره في حياتنا. فالتجارب التي كانت يوماً ما خاصة أو عاطفية، مثل الصداقة والانتماء، تحولت إلى قيم عددية: متابعون، إعجابات، تعليقات، ومشاركات. هذه الأرقام أصبحت بمثابة “عملة اجتماعية” تحدد قيمة الفرد في نظر نفسه وفي نظر المجتمع.

وتحذر تريشا برابهو، المدافعة عن السلامة الرقمية ومبتكرة تكنولوجيا ReThink لمكافحة التنمر الإلكتروني، من أن هذه المنصات لم تكتفِ بخلق مساحات رقمية جديدة، بل أعادت تشكيل مفهوم “التحقق الاجتماعي”. فالخوارزميات التي تحدد الشعبية غالباً ما تكافئ السلوكيات المثيرة للجدل وتضخم الصراعات، بينما يصبح التواصل الإنساني الحقيقي أصعب في القياس وبالتالي أسهل في التهميش.

الذكاء الاصطناعي: تهديدات جديدة تتجاوز التنمر

تشير برابهو إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم الأضرار الحالية، مثل أتمتة رسائل التنمر أو إنشاء “التزييف العميق” (Deepfakes). والأخطر من ذلك هو ظهور أضرار جديدة تماماً؛ حيث تشير التقارير إلى أدوات ذكاء اصطناعي تحث المستخدمين، بمن فيهم القصر، على إيذاء أنفسهم. وتطرح سؤالاً جوهرياً: كم من وقتنا وعلاقاتنا نريد أن نقضيه مع آلة بدلاً من كائن بشري؟

حراك جماعي لاستعادة السيطرة

تزامناً مع إطلاق الفيلم، انضمت أكثر من 25 منظمة مهتمة بالرفاهية الرقمية (مثل Common Sense Media و Center for Humane Technology) في مبادرة تسمى “Stand for Their Attention”. تهدف هذه الحملة إلى استغلال الزخم الذي أحدثه الوثائقي لتسليط الضوء على الحراك المتنامي لإعادة تشكيل الثقافة الرقمية.

وعلى الرغم من ثقل هذه القضايا، تؤكد المخرجة سارة روبن أن هدف الفيلم ليس إشعار الجمهور بالعجز. فأنظمة الحياة الرقمية من بناء البشر، وهذا يعني أن البشر قادرون على إعادة بنائها. وتقول روبن: “نحن نملك قوة أكبر مما نعتقد، بدءاً من تغيير عاداتنا الفردية وصولاً إلى الضغط من أجل تشريعات تحمي خصوصيتنا وعقولنا”.

التساؤل الأهم

لا يقدم فيلم “Your Attention Please” حلاً سحرياً واحداً، بل يطرح سؤالاً أوسع: ماذا يحدث عندما يصبح “الانتباه” – وهو من أثمن السمات البشرية – مجرد سلعة في الاقتصاد العالمي؟ والأهم من ذلك، ما هو شكل العالم الرقمي الذي نريد بناءه للأجيال القادمة؟

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *