مقدمة: التحدي القائم أمام سرطان الثدي ثلاثي السلبية
يُعد سرطان الثدي ثلاثي السلبية (TNBC) من أكثر أشكال الأورام عدوانية وصعوبة في العلاج، حيث يتميز بسرعة نموه وانتشاره المبكر. تكمن المعضلة الكبرى في هذا النوع من السرطان في افتقاره للمستقبلات الهرمونية الثلاثة التي تستهدفها العلاجات التقليدية، مما يترك المرضى أمام خيارات علاجية محدودة. وعلى الرغم من استجابة بعض المرضى للعلاج الكيميائي الأولي، إلا أن المرض غالباً ما يعود بصورة أكثر شراسة ومقاومة للعلاجات التقليدية.
في هذا السياق، تبرز دراسة حديثة نُشرت في دورية Breast Cancer Research، أجراها باحثون في مركز هولينجز للسرطان بجامعة كارولاينا الجنوبية الطبية (MUSC)، لتكشف عن جسم مضاد تجريبي مصمم لتعطيل استراتيجيات البقاء المتعددة التي تستخدمها خلايا هذا السرطان، مما يفتح باباً جديداً للأمل في القضاء على الخلايا المقاومة للعلاج الكيميائي.
الاكتشاف العلمي: استهداف البروتين المحفز للأورام SFRP2
تركزت الأبحاث ما قبل السريرية على بروتين يُسمى “البروتين المرتبط بـ Frizzled المفرز 2” (SFRP2). أظهرت الدراسة أن هذا البروتين يعمل كعامل تمكين أساسي للورم؛ حيث يحفز تكوين أوعية دموية جديدة تغذي السرطان، ويمنع موت الخلايا السرطانية، بالإضافة إلى إضعاف الخلايا المناعية التي من شأنها القضاء على الورم.
استند هذا الإنجاز إلى قرابة عقدين من الأبحاث بقيادة الدكتورة نانسي كلاوبر-ديمور. وقد نجح الفريق العلمي في تطوير جسم مضاد أحادي النسيلة مأنسن (Humanized Monoclonal Antibody)، مصمم بدقة للارتباط ببروتين SFRP2 وحجب آثاره المعززة للسرطان. وبخلاف العلاج الكيميائي الذي يهاجم الخلايا السليمة والمصابة على حد سواء، أظهرت الاختبارات أن هذا الجسم المضاد يتراكم في أنسجة الورم فقط دون الأعضاء السليمة، مما يقلل من الآثار الجانبية السمية.
إعادة برمجة البيئة المجهرية للمناعة
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة هي قدرة الجسم المضاد على إعادة تشكيل “البيئة المجهرية” المحيطة بالورم. ولأول مرة، أثبت الباحثون وجود بروتين SFRP2 على سطح “البلاعم المرتبطة بالأورام” (Tumor-associated Macrophages)، وهي خلايا مناعية يتم توظيفها عادةً لدعم نمو السرطان (المعروفة بحالة M2).
عند استخدام الجسم المضاد، لاحظ الباحثون تحولاً جذرياً في سلوك هذه الخلايا؛ حيث أطلقت كميات كبيرة من “إنترفيرون-جاما”، مما دفعها للعودة إلى حالة (M1) المقاتلة للسرطان. هذا التحول لم يكتفِ بتنشيط البلاعم فحسب، بل أعاد الحيوية لخلايا (T) التي كانت تعاني من “الإنهاك المناعي”، مما عزز من قدرة الجسم الطبيعية على مهاجمة الخلايا السرطانية بفاعلية مضاعفة.
الأهمية العلمية ومواجهة مقاومة العلاج الكيميائي
تمثل قدرة هذا الجسم المضاد على تجاوز مقاومة الأدوية طفرة علمية هامة. ففي التجارب المختبرية، تم تطوير خلايا سرطانية مقاومة لعقار “دوكسوروبيسين” (Doxorubicin) الشائع، ومع ذلك، استطاع الجسم المضاد لبروتين SFRP2 التسبب في موت هذه الخلايا بكفاءة عالية. كما أظهرت النتائج في النماذج الحيوانية المتقدمة انخفاضاً كبيراً في انتشار الأورام إلى الرئتين، وهو المسار الأكثر خطورة لانتشار سرطان الثدي.
إن استهداف بروتين SFRP2 لا يضعف الورم هيكلياً فحسب، بل يكسر حواجز الحماية التي يبنيها السرطان ضد الجهاز المناعي وضد الأدوية الكيميائية، مما يجعله سلاحاً مزدوج المفعول في مواجهة الأورام المعقدة.
التداعيات المستقبلية والخطوات القادمة
بناءً على هذه النتائج المشجعة، حصل العقار الجديد على تصنيفات “الأمراض النادرة للأطفال” و”الأدوية اليتيمة” من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لاستخدامه المحتمل في علاج أورام العظام (Osteosarcoma)، وهو نوع آخر يرتبط ببروتين SFRP2.
تعمل شركة (Innova Therapeutics) حالياً على تأمين التمويل اللازم لبدء التجارب السريرية الأولى على البشر. ويمهد هذا البحث الطريق لنوع جديد من العلاج الدقيق الذي يمكن أن يتكامل مع العلاجات المناعية الحالية، ليس فقط لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، بل لتقديم خيار علاجي يعيد هندسة قدرة النظام المناعي على هزيمة السرطان من الداخل.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً