آفة الإدلال بالعمل: تِبْيَان المِنّة الإلهية في مسالك العبودية

استهلال: حقيقة المنة في ميزان الوحي

في أعماق النفس البشرية تكمن بذور خفية من العُجب والاعتداد بالذات، وهي آفات قد تتسلل حتى إلى أزكى العبادات وأجلّ القربات. إن أخطر ما يواجه العبد السالك إلى الله هو أن يرى لنفسه فضلاً فيما قدّمه، أو أن يتوهم أن طاعته هي مِلك خالص بجهده وكسبه، غافلاً عن المصدر الحقيقي للتوفيق. لقد استوقف الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ “صيد الخاطر” آية كريمة تلخص هذا المفهوم التربوي العميق، وهي قوله عز وجل: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ}. إن هذا النص القرآني ليس مجرد عتاب لمجموعة من الأعراب، بل هو قانون إلهي خالد يُنظم علاقة العبد بخالقه، ويصحح بوصلة القلوب التي قد يضللها بريق العمل الصالح فتقع في فخ “الإدلال”.

العقل الموهوب: أصل المعرفة ومنبع الهداية

يرى ابن الجوزي أن الخطأ الأول الذي يقع فيه “المُدِلُّون” بأعمالهم يبدأ من جهلهم بأصل النعمة. فإذا ما تدبرنا في رحلة الإيمان، سنجد أن الإنسان لم يصل إلى الحق بمحض الصدفة، بل من خلال آلة العقل التي وهبه الله إياها. هذا العقل هو الذي مكّن الإنسان من التمييز بين الخبيث والطيب، وهو الذي قاده لإدراك عبثية الأصنام وعدم صلاحيتها للألوهية، فوجهه نحو الفطرة السليمة وعبادة فاطر السموات والأرض.

إن المعرفة الإيمانية التي نعتز بها هي في الحقيقة ثمرة لهذا “العقل الموهوب” الذي ميزنا الله به عن سائر البهائم. فإذا كان العقل عطاءً إلهياً محضاً، وكانت الثمار التي جنيناها بسببه -كالإيمان والتوحيد- هي نتاج هذا العطاء، فكيف يصح للعبد أن يمنّ بفعلٍ هو في الأصل مدينٌ فيه للأداة التي وُهبت له؟ إن من يفتخر بإيمانه وكأنه صاحب الفضل، هو في الحقيقة يجهل قدر الواهب ويغفل عن المِنّة الأساسية؛ فأي ملكية للإنسان في ثمار شجرة هو لا يملك أصلها ولا سقاها بفضله؟

نور اليقظة في ظلمات الطبع

كل متعبد يتهجد في محرابه، وكل عالم يجتهد في فنه، إنما يتحركون بنور أُقذف في قلوبهم يُسمى “نور اليقظة”. لولا قوة الفهم التي أودعها الله في النفس، ولولا وضوح العقل الذي جلاه الله بالوحي، لما استطاع هؤلاء العثور على طريق الصواب وسط ظلمات الطبع البشري الميال للغفلة والشهوات.

لذا، فإن المقام اللائق بكل ذي لب هو توجيه الشكر المطلق لصاحب الفضل الأكبر، الذي بعث في “ظلام الطبع” هذا القبس المضيء. إن الاعتراف بأن الله هو الذي أوجد فينا القوة، والقدرة، والرغبة، واليقظة، هو السبيل الوحيد للنجاة من كبرياء العبادة. فالعبد الحقيقي هو الذي يرى توفيقه للطاعة نعمة تستوجب شكراً جديداً، لا رصيداً يتباهى به أمام الخلق أو يمنّ به على الخالق.

تأملات في حديث الغار: الفرق بين الاستشفاع والإدلال

يسوق ابن الجوزي نموذجاً تطبيقياً دقيقاً من السنة النبوية، وهو حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، حيث لم يجدوا مخرجاً إلا بالتوسل بصالح أعمالهم. وهنا تبرز لفتة تربوية بالغة الدقة؛ فهل كان توسلهم هذا “إدلالاً” بالعمل أم “اعترافاً” بالنعمة؟

  • الاحتمال الأول: أن يكون هؤلاء الصالحون قد لاحظوا نعمة الله عليهم حين عصمهم من الخطأ ووفقهم لتلك الأعمال الجليلة (بر الوالدين، العفة عن الحرام، أداء الأمانة). فكأنهم يقولون: “يا رب، بفضلك الذي خصصتنا به عن غيرنا من البشر فوفقتنا لهذه الطاعة، نسألك أن تفرج عنا”. في هذه الحالة، هم يتوسلون بإنعامه المتجدد عليهم، وهذا هو قمة الحضور مع الله والاعتراف بجميله.
  • الاحتمال الثاني: أن يكونوا قد لاحظوا أفعالهم مجردة عن فضل الله، وظنوا أنهم بجهدهم الذاتي حققوا تلك المقامات، منتظرين الجزاء كحق مكتسب. وفي هذه الحالة، يصفهم ابن الجوزي بأنهم “أهل غيبة لا حضور”، أي أن قلوبهم غابت عن شهود مِنة الله وحضرت مع رؤية النفس. وفي مثل هذه الحالة، يكون استجابة الدعاء -إن وقعت- هي من باب قطع دابر “المنة” في نفوسهم أو تعليمهم عجزهم المطلق.

فخ الاستعلاء بالتقوى ومخاطر احتقار العصاة

من أشد الآفات التي تضرب جدار الإيمان أن يرى المتقي تقواه بعين الإعجاب، حتى يتسلل إلى قلبه شعور بأنه أفضل من غيره من الخلق. هذا الشعور قد يتحول إلى احتقار لأهل المعاصي وترفع عليهم، وهو ما يسميه ابن الجوزي “غفلة عن طريق السلوك”. إن الصالح الذي يشمخ بأنفه على العاصي قد أضاع روح التقوى وإن حافظ على رسومها؛ لأن التقوى الحقيقية تورث انكساراً لا استكباراً.

إن التوجيه التربوي هنا دقيق جداً؛ فالعبد لا ينبغي له مخالطة الفساق مودةً لهم، بل يجب أن يغضب لله في باطنه ويُعرض عن منكراتهم في ظاهره صيانةً لدينه. ولكن، في الوقت نفسه، عليه أن يتأمل في “جريان الأقدار” عليهم. فكثير من العصاة لا يعصون استخفافاً بالخالق، بل غلبةً للهوى وضعفاً في الإرادة، وكثير منهم يتمنى في قرارة نفسه لو تخلص من أسر ذنبه.

فقه المعصية وأدب الطاعة

ينقسم العصاة في نظر العارفين إلى أصناف، فمنهم من غلبه هواه وهو يكره معصيته، ومنهم من غلب عليه رجاء العفو والحلم الإلهي فاستهان بالذنب لقوة يقينه بسعة رحمة الله. ورغم أن هذه ليست أعذاراً ترفع عنهم الحرج الشرعي، إلا أنها تفتح للمتقي نافذة لرحمتهم والنظر إليهم بعين القدر.

يا صاحب التقوى، اعلم أن الحجة عليك أوفى منها عليهم؛ لأنك أوتيت من العلم والمعرفة ما لم يُؤتوا، فمخالفتك أشد، وتقصيرك في شكر نعمة التوفيق أعظم. إن العبرة بالخواتيم، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. فكم من “واصل” انقطع بسب عُجبه، وكم من “منقطع” عاد فوصل بصدق انكساره.

خاتمة: الحذر من تقلب القلوب

إن جوهر العبودية يتمثل في نسيان رؤية العمل وشهود فضل الموفق. فالعجب كل العجب ممن يدُّل بخير علمه أو صلاح عمله، وهو ينسى أن الذي أنعم ووفق هو الله وحده. إن دوام الحال من المحال، والدائرة قد تدور؛ فربما صار الصالح منقطعاً بسبب كبره، وصار العاصي واصلاً بسبب ذله وافتقاره.

ليكن شعار العبد دائماً هو الاعتراف بالعجز والفقر، فكل سجدة، وكل دمعة، وكل كلمة حق، هي منحة إلهية تستوجب التواضع، لا وساماً للاستعلاء. إن السلامة في السلوك تقتضي أن يسير العبد بين جناحي الخوف والرجاء، غاضباً من المعصية، رحيماً بالعاصي، شاكراً للتوفيق، ومستعيذاً بالله من خذلان الإدلال.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *