يتناول الإمام ابن الجوزي في كتابه “صيد الخاطر” قضية أخلاقية وعلمية خطيرة، وهي “الغرور بالعلم”، موضحاً كيف يتحول الاكتفاء بما لدى المرء من معرفة إلى حاجز يمنعه من رؤية الحقيقة ويوقعه في زلات شنيعة.
خطورة الاكتفاء بالعلم والاعتداد بالرأي
يرى ابن الجوزي أن من أعظم الفضائل الاستمرار في طلب العلم والاستزادة منه، ويحذر من مغبة الرضا بما وصل إليه المرء، مبيناً الآتي:
- حجاب الاستعلاء: من ظن أن علمه كافٍ، استبد برأيه واستغنى بعقله، فيصبح تعظيمه لنفسه مانعاً له من الاستفادة من الآخرين.
- أهمية المذاكرة: النقاش والمذاكرة مع الأقران والعلماء هي التي تكشف للمرء مواطن خلله وعيوبه العلمية.
- هيبة العلم الزائفة: أحياناً يكون العالم معظماً في نفوس الناس، فلا يجرؤ أحد على الرد عليه، ولو أنه أظهر التواضع والرغبة في التعلم، لأهديت إليه عيوبه فأصلحها.
- أبو المعالي الجويني: نُقل عنه قوله بأن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وهو قول غريب تعجب منه ابن الجوزي، متسائلاً عن الشبهة التي أدت بمثل هذا العالم إلى هذا القول الشنيع.
- أبو حامد الغزالي: انتقده في بعض تأويلاته للصفات الإلهية (كالنزول والاستواء)، مشيراً إلى أن انشغال المرء بالزهد أو الفقه لا يعفيه من ضرورة ضبط العقيدة بما يجوز في حق الله وما لا يجوز.
- ابن مقسم المقرئ: الذي أجاز قراءات تفسد المعنى اللغوي والسياق القرآني، كخطئه في فهم قصة إخوة يوسف في قوله تعالى: *”فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا”*، حيث غفل عن السياق اللغوي الواضح بسبب اعتداده برأيه.
نماذج لزلات العلماء بسبب الإدلال بالنفس
ساق ابن الجوزي أمثلة لعلماء كبار وقعوا في أخطاء عقدية ومنطقية بسبب هذا النوع من الغرور، ومنها:
ثمرة التواضع العلمي
يؤكد ابن الجوزي على قاعدة ذهبية في طلب العلم:
1. لو ترك العالم تعظيم نفسه: لقبل الحق حتى من “صبيان الكتاتيب”، ولتبين له صدقهم وصوابهم.
2. أثر رؤية النفس: إن إعجاب الرجل بعلمه إذا امتزج برؤية النفس (الأنا)، حُرم من إدراك الصواب وتاه في ظلمات الوهم.
الخلاصة:
إن العلم بحر لا ينفد، والغرور هو القيد الذي يمنع السابح فيه من الوصول إلى شاطئ النجاة. فالاعتصام بالتواضع، وفتح باب النقد والمراجعة، واللجوء إلى الله من شرور النفس، هو السبيل الوحيد للحفاظ على سلامة الفهم والاستقامة على الحق.

اترك تعليقاً