# في ظلال الشهر الكريم.. سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة
ما أحوجَ الإنسانَ في هذه الرحلة الدنيوية القصيرة أنْ يُقدِّم لنفسه زاداً يرافقه في وحشة القبر، ويؤنسه في يوم الحشر! إنَّ المتأمل في حقيقة الوجود يدرك يقيناً أنَّ الإنسان إذا فارق هذه الحياة، انقطعت حبالُ عمله، وتلاشت آماله، ولم يَبقَ له من أثرٍ ينفَعُه إلا ما قدّمته يداه من صدقةٍ جارية تفيض بالخير، أو علمٍ يُنتَفع به يُنير الدروب، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له بظهر الغيب. فالعاقِلُ اللبيب هو مَن يغتنمُ ساعاتِ يومه، فيَزرَعُ اليوم بذور الإحسان كي يحصد غداً ثمار الرضوان في جنات النعيم.
ويأتي شهر رمضان المبارك، ذلك الزمان الشريف والموسم المبارك، حاملاً معه بذور الخير الوفير، ينثرها في قلوب المؤمنين المتعطشة للوصل؛ فتحلِّق أفئدتهم في ملكوت الطاعة، وتَسكُن جوانحهم بذِكر الله، ويَشعُرون بآلام فقرائهم وحاجة إخوانهم، فيتألَّق عطاؤهم، ويَكثُر إنفاقهم، ويتحوَّل المجتمع المسلم في هذا الشهر إلى خليَّة نحلٍ مباركة، يلمُّ شملها التكافُل الاجتماعي، ويشدُّ بعضها بعضاً كالبنيان المرصوص.
الصدقة في رمضان: برهان الإيمان وطريق اليسرى
إنَّ الإنفاق في سبيل الله في هذا الشهر العظيم ليس مجرد بذل للمال، بل هو برهانٌ ساطعٌ على صدق الإيمان. فالمسلم حين يعطي يرجو ما عند الله، مصداقاً لقوله تعالى في وصف عباده المتقين الذين أعطوا واتَّقوا، وصدَّقوا بالحسنى؛ لكي ييسِّرهم ربهم الكريم المنَّان لليسرى كما وعَد في محكم التنزيل.
ويُذكِّرنا شهر الصيام بِمَدَى ما يُعانِيه الفُقَراء من ألم الجوع ولوعة الفقر وحرقة الحرمان. إنها دعوةٌ ربانية للصائمين أنْ يذكُروا إخوانهم الفُقَراء المحتاجين، وألاَّ يأخذهم الشحُّ أو الخوف من الظروف الاقتصاديَّة المتقلبة، فيحبسوا ما في أيديهم عن المحتاجين. عليهم أن يبذلوا في هذا الشهر الكريم وفي غيره من الجود والصدقة، وليعلَمُوا يقيناً أنَّ الله هو الرزَّاق ذو القوة المتين، وأنَّ ما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
الجود من صفات المتقين
لقد وصَف الله عز وجل المتَّقِين بصفاتٍ جليلة، وجعل الإنفاق في مقدمة هذه الصفات، حيث قال سبحانه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 134 – 136].
إنَّ الإنفاق في السرَّاء والضرَّاء، وكظم الغيظ، والعفو والإحسان، والإقلاع عن الذنوب، هي جوهر التقوى. وأما الإنفاق، فعلاقته بالتقوى وثيقةٌ وعميقة؛ إذ المنفق يتَّقِي بصدقته غضبَ ربه، ويجعل بينه وبين النار وقاية. وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي: «والصدقة تُطفِئ غضب الرب».
ومن المعلوم في عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّ الإيمان يَزِيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقُص بالمعصية، والجود والصدقة من أعظم الطاعات التي تزيد الإيمان رسوخاً في القلب؛ لأنَّ البذل ينطَلِق من تمام الثقة بالله وتقوى الله – عزَّ وجلَّ.
شمولية الجود في الإسلام
لا ينبغي للمسلم أن يظن أن الجود محصورٌ في المال فقط، بل إن مفهوم الجود في الإسلام يتسع ليشمل كل خير يقدمه الإنسان لغيره.
1. الجود بالعلم: وهو من أسمى أنواع الجود، بأن يعلم الجاهل ويوجه الحائر.
2. الجود بالخلق: بالكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة وحلو العشرة.
3. المواساة بالمال والطعام: إطعام الجائع وسد حاجة المسكين.
4. الجود بالوقت والجهد: السعي في حوائج الناس ومساعدتهم.
فيا أخي المسلم، هلاَّ واسَيْت فقيرًا في رمضان، سواء بالمال أو الطعام أو الشراب، أو بالكلمة الطيبة التي تجبر الخواطر المنكسرة؟ وهلاَّ قمتَ بإعطاء درسٍ ديني، أو شاركت في مجلس قرآن يحيي القلوب؟
فضل الصدقة في رمضان واغتنام النفحات
إنَّ الصدقة في رمضان لها فضلٌ عظيم ومكانةٌ سامقة عند الله تعالى، فالخائب الخاسر حقاً هو من ضيَّع على نفسه مواسم الخير ونفحات الدهر دون أن يتعرَّض لها ويغتَنِمها. ففي الحديث الصحيح: «إذا كان أوَّل ليلةٍ من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقتْ أبواب النار فلم يُفتَح منها باب، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلَق منها باب، ويُنادِي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عُتَقاء من النار، وذلك كلَّ ليلة»؛ (أخرجه الترمذي).
هذا النداء الرباني “يا باغي الخير أقبل” هو دعوة لكل من أراد القرب من الله أن يبسط يده بالبذل، فالسماء مفتوحة، والرحمات تتنزل، والأجور تضاعف.
صور الجود وقضاء حوائج الناس
للجود في رمضان أشكالٌ متعدِّدة وصورٌ مشرقة لا حصر لها، فلنَجُدْ بالعلم والمال والكلم الطيب، ولنحرص على الصُّلح بين الناس والمشي في حوائجهم. إنَّ السعي في طرق الخير من أعظم القربات؛ كأنْ يُصلِح الإنسان بين متخاصمَيْن، أو يُؤلف بين زوجَيْن غاضبَيْن، أو يجمع بين أبٍ وابنٍ مختلفين، أو يأمر بمعروفٍ أو ينهى عن منكرٍ بأسلوب حكيم، أو يمشي في حوائج المسلمين ليقضيها لهم.
كل هذه الأفعال هي من قبيل الصدقات التي يبارك الله فيها، وتجعل من المجتمع المسلم جسداً واحداً يشعر كل عضو فيه بآلام الآخر وآماله.
كفالة اليتيم: رفقاً بقلوب الصغار
وما أجملَ وما أعظمَ مساعدةَ الأيتام في رمضان! إنَّ مسح رأس اليتيم وإدخال السرور على قلبه في هذا الشهر الفضيل أمرٌ يحبُّه الله ورسوله؛ فقد قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «أنا وكافلُ اليتيم في الجنَّة كهاتَيْن» وأشار بالسبابة والوسطى؛ (أخرجه البخاري في الأدب المفرد).
فلتسارِعْ أخي المسلم ولتغتَنِم تلك الفرصة العظيمة بمساعدة الأيتام، وتوفير ما يحتاجونه من ملبس ومأكل ورعاية، كي تنعَمَ بمجاورته صلى الله عليه وسلم في الجنة، وتنال الأجر والثواب العظيم.
فضل تفطير الصائمين
إنَّ تفطير الصائم عملٌ جليل يترتب عليه أجرٌ لا يتخيله عقل؛ إذ يقول رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «مَن فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره غيرَ أنَّه لا ينقص من أجر الصائم شيء»؛ (رواه الترمذي وابن ماجه).
وانظر إلى صور الإحسان التي يسطرها المسلمون اليوم، فمنهم من يجهز وجبات الإفطار ويوزعها على المارة والسيارات وقت الأذان، ومنهم من يقف بالتمر والماء أمام منزله ليظفر بأجر كل صائم يمر به. وهناك مَن يقومون بذبح الذبائح وتوزيعها على الفقراء، أو دعوة الجيران والمحتاجين لمائدته، وهناك من يشتري القماش والكساء ويوزعه على المحتاجين ليدخل عليهم فرحة العيد.
إنَّ كل هذه المنافذ الطيبة للخير هي التي تصبغ رمضان بصبغته الروحانية الجميلة، وتجعل منه شهراً للتراحم والتكافل. فلنحرص جميعاً على أن يكون لنا سهم في كل باب من أبواب الخير، ولنكن من المسارعين الذين قال الله فيهم: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.
ختاماً، إنَّ رمضان أيامٌ معدودات، تمضي سريعاً، فاجعل لنفسك فيها أثراً لا يُمحى، وعملاً صالحاً يرفعه الله إليه، وصدقةً تظللك يوم لا ظل إلا ظله. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

اترك تعليقاً