# أجر صلاة العصر مضاعف: وقفة تأمل في فضل المحافظة على الصلاة الوسطى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الصلاة عماد الدين، وقرة عين الموحدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
تمر بنا الساعات، وتتوالى الأيام، وفي زحمة الحياة وضجيج الأعمال، يغفل الكثيرون عن كنز عظيم، وجوهرة ثمينة خصها الله بمكانة رفيعة في كتابه، وأكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته. إنها صلاة العصر، تلك الصلاة التي سماها الله تعالى بـ “الصلاة الوسطى” في قوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. وفي هذا المقال، سنقف مع حديث نبوي شريف، يحمل في طياته بشارة عظيمة لمن حافظ على هذه الصلاة، وتحذيراً بليغاً من تضييعها.
نص الحديث الشريف
روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ»، وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ.
وقفات مع معاني المفردات ودلالات الألفاظ
قبل أن نبحر في بحر الفوائد المستنبطة من هذا الحديث، لا بد لنا من الوقوف على معاني كلماته التي صاغها من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم:
1. بِالْمُخَمَّـصِ: هو موضع معروف بضواحي المدينة المنورة، ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ليوثق الحادثة والزمان والمكان، مما يضفي على الحديث دقة تاريخية وواقعية.
2. عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: يقصد بالأمم السابقة هنا اليهود والنصارى، الذين كلفهم الله بشرائع وصلاة، فكانت صلاة العصر من جملة ما أمروا به.
3. فَضَيَّعُوهَا: التضييع هنا لا يعني الترك الكلي فحسب، بل يشمل عدم القيام بحقها، وتأخيرها عن وقتها، والتهاون في أركانها وخشوعها. لقد فرطوا في هذه الأمانة العظيمة فاستحقوا الذم.
4. كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ: هذه هي البشارة الكبرى؛ الأجر الأول هو أجر العمل الصالح كبقية الصلوات، والأجر الثاني هو أجر الامتثال والمحافظة عليها في وقت يغفل فيه الناس، ومخالفة نهج من سبقنا من الأمم التي ضيعتها.
5. الشَّاهِدُ: فسر النبي صلى الله عليه وسلم أو الراوي “الشاهد” بأنه النجم، وهو إشارة إلى مغيب الشمس تماماً وظهور النجوم في السماء.
لماذا صلاة العصر تحديداً؟
إن المتأمل في وقت صلاة العصر يجد أنه وقت ذروة الانشغال الدنيوي؛ فالتاجر في تجارته، والموظف في نهاية عمله، والعامل يغالب تعبه. لذا، فإن اقتطاع هذا الوقت لله تعالى، وترك مشاغل الدنيا للإقبال على المولى سبحانه، يعد دليلاً صادقاً على قوة الإيمان وتقديم محبة الله على حظوظ النفس.
لقد ضيعتها الأمم السابقة لأنهم قدموا أهواءهم ومصالحهم المادية على أوامر الله، فابتلاهم الله بالخسران. أما أمة الإسلام، فقد جعل الله لها في المحافظة عليها أجراً مضاعفاً، ليكون ذلك حافزاً للمؤمن ليتميز عن غيره، ويحقق العبودية الكاملة في أصعب الأوقات.
أسرار الأجر المضاعف في صلاة العصر
لماذا ينال المصلي للعصر أجره مرتين؟ العلماء رحمهم الله استنبطوا من ذلك حكماً جليلة:
- أولاً: أجر الطاعة والامتثال: فكل صلاة يؤديها العبد في وقتها لها أجرها الثابت عند الله، وصلاة العصر ركن من أركان الدين.
- ثانياً: أجر الثبات والمخالفة: حين يحافظ المسلم على ما ضيعه الآخرون، فإنه يثبت على الحق في زمن الفتنة أو الغفلة. فكأن الله يكافئه على إحيائه لهذه الشعيرة التي أماتتها الأمم السابقة.
- ثالثاً: مشقة الوقت: وقت العصر يسمى وقت “الأصيل”، وهو وقت يميل فيه الإنسان للراحة أو يشتد فيه الطلب على الرزق، فالمجاهدة فيه أكبر، والأجر دائماً على قدر المشقة.
- ضغط العمل والاجتماعات: يجب على المسلم أن يبرمج وقته بحيث تكون الصلاة هي المركز الذي تدور حوله بقية الأعمال، لا العكس.
- النوم بعد الظهر: يميل البعض للنوم في هذا الوقت، وهنا تأتي المجاهدة؛ فمن ترك لذة النوم لإدراك تكبيرة الإحرام، استحق الأجر المضاعف.
- التسويف: الشيطان يزين للعبد أن الوقت ما زال واسعاً، حتى تصفر الشمس وتدخل في وقت الكراهة، فتضيع فضيلة الوقت الأول.
الدروس والعبر المستفادة من الحديث
يمكننا استخلاص العديد من الدروس التربوية والإيمانية من هذا الحديث النبوي العظيم:
1. فضيلة المحافظة على صلاة العصر في جماعة
إن الحديث يؤكد أن من حافظ عليها نال الأجر مرتين. والمحافظة لا تكتمل إلا بأدائها في وقتها، وبشروطها، وأركانها، وفي حق الرجال يتأكد فضلها في الجماعة في بيوت الله. إنها صك أمان وبريد نجاة للمؤمن.
2. التحذير من التشبه بالأمم الضالة
حين قال النبي صلى الله عليه وسلم “فضييعوها”، كان ذلك تحذيراً مبطناً لنا. فالمسلم مأمور بمخالفة أهل الكتاب في تهاونهم بحدود الله. تضييع الصلاة هو أول خطوات الانهيار الحضاري والأخلاقي لأي أمة.
3. فقه أوقات النهي
أشار الحديث إلى مسألة فقهية هامة، وهي قوله: “ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد”. وهذا يؤسس لمنع صلاة النافلة المطلقة بعد العصر حتى غروب الشمس. إلا أن العلماء استثنوا صلوات الأسباب (مثل تحية المسجد أو ركعتي الطواف) عند الحاجة، لكن الأصل هو تعظيم هذا الوقت بالذكر والاستغفار بدلاً من الصلاة المبتدأة.
4. قيمة الاستمرارية في العبادة
كلمة “حافظ” تدل على الاستمرار والديمومة. فليس الشأن أن تصلي العصر يوماً وتتركه أياماً، بل الشأن في تلك الملازمة التي تجعل قلبك معلقاً بالمساجد، وتجعل وقتك مضبوطاً بساعة الوحي لا بساعة الدنيا.
كيف نحافظ على صلاة العصر في زمن المتغيرات؟
في واقعنا المعاصر، يواجه المسلم تحديات كثيرة قد تصرفه عن صلاة العصر، ومنها:
نداء إلى كل مقصر
يا أخي المسلم، يا من تتهاون في صلاة العصر، تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في أحاديث أخرى أن من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهله وماله (أي فقدهما). وتخيل حجم الخسارة حين يضيع منك أجر مضاعف، وحين تتشبه بمن ذمهم الله من الأمم السابقة.
إن الصلاة هي الصلة بينك وبين خالقك، وصلاة العصر هي ميزان يومك. فإذا انضبطت في عصرك، استقام لك بقية يومك، ونزلت البركة في رزقك وأهلك.
خاتمة
إن حديث أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه ليس مجرد إخبار عن فضل، بل هو منهج حياة. إنه يدعونا إلى اليقظة الروحية، والتميز الإيماني. فكن ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل صلاة العصر منطلقاً لعهد جديد مع الله، عهد المحافظة والتعظيم، لعل الله أن يكتب لك أجرك مرتين، ويحشرك في زمرة المحافظين على صلواتهم، الذين هم في جنات مكرمون.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأن يجعلنا من المقيمين للصلاة ومن ذريتنا، ربنا وتقبل دعاء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً