أحكام الشتاء وزمهرير البرد: دروس إيمانية وتيسيرات فقهية

# زمهرير الشتاء: وقفات إيمانية، أحكام فقهية، وواجبات اجتماعية

الحمد لله العليم الحكيم، الذي لطف بعباده فلم يرهقهم من أمرهم عسراً، وما جعل عليهم في دينهم من حرج، سبحانه وبحمده، أنزل المعونة على قدر المؤونة، وجعل الصبر على قدر البلاء، وأمر بأداء الواجبات حسب المستطاع، فقال في محكم تنزيله: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. نحمده سبحانه على ما هدانا وشرع لنا، ونشكره على ما أعطانا وأسبغ علينا من النعم الظاهرة والباطنة.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده آجال العباد وأرزاقهم، وهو القادر عليهم، ولو شاء سبحانه لأهلكهم بغتة بذنوبهم، كما قال عز وجل: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء:133]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان بالمؤمنين رحيماً، وعلى هدايتهم حريصاً، يَعِزُّ عليه عنتُ أمتِه، ويترك العمل أحياناً مخافة أن يُفرض عليهم فيعجزوا عنه. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أعلام الهدى، وأولي البر والتقوى، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أولاً: الاعتبار بتقلب الأحوال

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله وأطيعوه، وخذوا من شدة ما يمر بكم في هذه الدنيا من أحوال وأكدار وأزمات معتبراً لشدة يوم القيامة وكربه؛ فإن كرب القيامة ينسي شدة الدنيا وكربها، ويذهل كل مرضعة عما أرضعت، {يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:35-37].

لقد خلق الله تعالى الأرض وما عليها، وأهبط آدم إليها، وجعلها مستقراً لبني آدم بما سخر لهم فيها من سبل العيش، قال تعالى: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف:24]. ومنذ فجر البشرية، ورزق الله يتتابع على خلقه، والكوارث الكونية -سواء كانت عذاباً أو ابتلاءً- لم تفنِ البشر كلهم، بل يبقى منهم بقية يعمرون الأرض لحكمة أرادها خالق الكون.

إن الشمس والقمر مسخران للأرض ومن عليها بمقادير دقيقة، فلو اقتربت الشمس قليلاً لأحرقت الأرض، ولو ابتعدت لتجمد كل ما عليها. والعقلاء يدركون في شدة البرد المهلك نعمة الله في تقدير موقع الشمس، فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديراً.

ثانياً: الشتاء ونفَس جهنم

إن شدة البرد وشدة الحر ليستا إلا نَفَسَان من جهنم، جعلهما الله تذكيراً للعباد بنار الآخرة؛ ليتقوا ما يوردهم إياها. روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتْ النَّارُ إلى رَبِّهَا فقالت: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لها بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الْحَرِّ وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ» (متفق عليه).

والبرد في حقيقته مهلك، والناس يتقونه أكثر من الحر. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى؛ ففي سورة النحل ذكر الله أصول النعم ومنها الأنعام فقال: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل:5]، فجعل “الدفء” من الأصول. بينما ذكر في مكملات النعم: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} [النحل:81]. ومن كمال نعيم الجنة انتفاء الحر والبرد، قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان:13]. والزمهرير هو البرد القاطع، قال ابن مسعود رضي الله عنه: “هو لونٌ من العذاب”.

وكانت العرب تسمي الشتاء “الفاضح”؛ لأنه يفضح الفقير الذي لا يملك ما يتقي به البرد. وسُئلت امرأة منهم: أيما أشد عليكم القيظ أم القُرُّ؟ فقالت: “يا سبحان الله، من جعل البؤس كالأذى؟”، فجعلت الشتاء بؤساً والحر أذىً.

ثالثاً: أحكام الشتاء والتيسير في العبادات

لأن شدة البرد قد تؤول إلى الهلاك، فقد خفف الله عن عباده في كثير من أحكام الشتاء الشرعية:

1. التيمم عند الضرورة: أباح الله التيمم في شدة البرد عند عدم وجود وسيلة لتسخين الماء مع خشية الضرر أو الهلاك، وقد أقر النبي ﷺ عمرو بن العاص حين تيمم وصلى بالناس في غزاة لصعوبة الوضوء بالماء البارد جداً. لكن مجرد المشقة اليسيرة ليست عذراً لترك الوضوء، فوضوء البرد شاق على الجميع.
2. المسح على الخفين والجوربين: وهو رخصة عظيمة ترفع الحرج عن المسلم، وتسهل عليه الطهارة في الأجواء الباردة.
3. الصلاة في الرحال: تُشرع الصلاة في البيوت إذا كان البرد شديداً ومصحوباً بمطر أو ريح تؤذي الناس، كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يأمر المؤذن في الليلة الباردة ذات المطر أن يقول: “ألا صلوا في الرحال”.
4. لبس القفازين واللثام: يجوز للمصلي لبس القفازين للتدفئة، كما تزول كراهة تغطية الوجه (التلثم) في الصلاة إذا كان ذلك لاتقاء الهواء البارد.
5. إسباغ الوضوء على المكاري: مع وجود هذه الرخص، فإن الله يعظم الأجر لمن تحمل مشقة الوضوء في البرد، فإسباغ الوضوء في المكاره من أسباب محو الخطايا ورفع الدرجات. ولكن يجب الحذر من التقصير في غسل الأعضاء، خاصة المرفقين والكعبين بسبب كثرة الملابس.
6. تسخين الماء: لا كراهة في تسخين الماء للوضوء، بل هو مما يعين على الطاعة ويحفظ الصحة، والله عز وجل لا يريد تعذيبنا.

رابعاً: تنبيهات ومحاذير في فصل الشتاء

  • النهي عن سب الريح: لا يجوز سب الريح أو البرد؛ فإنها مأمورة من الله تعالى. وكذلك الحمى التي قد تصيب الإنسان بسبب البرد لا تُسب؛ لأنها تحط الخطايا.
  • الحذر من وسائل التدفئة: النار عدو للإنسان إذا غفل عنها. روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ في بُيُوتِكُمْ حين تَنَامُونَ». فيجب إطفاء المدافئ والشموع قبل النوم لتجنب الحرائق أو الاختناق.
  • استقبال النار في الصلاة: يُكره أن تكون النار (كالمدافئ) في قبلة المصلي؛ لما في ذلك من التشبه بالمجوس الذين يعبدون النار.

خامساً: الواجب الشرعي تجاه الفقراء والمنكوبين

أيها المسلمون، إن موجات البرد القارس هي تذكير بضعف البشر وافتقارهم إلى رحمة الله. إنها دعوة لنشكر الله على نعم الكساء والغذاء والمسكن.

تذكروا في هذا البرد أحوال الفقراء والمعدمين الذين لا يجدون غطاءً يسترهم، ولا فراشاً يقيهم صقيع الأرض. تذكروا إخوانكم في الخيام والملاجئ، في فلسطين وغزة والعراق وغيرها من بلاد المسلمين. تذكروا غزة المحاصرة التي يمنع عنها العدو الغذاء والوقود والكساء.

ارحموهم رحمكم الله، تلمسوا حاجاتهم، دفئوهم بصدقاتكم، وأطعموا جائعهم. إن إحساسكم بهم دليل على حياة قلوبكم، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. قال ﷺ: «وتَرَى الْمُؤْمِنِينَ في تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى له سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

اللهم أعن إخواننا المستضعفين في كل مكان، وكن لهم ناصراً ومعيناً، وارزقنا شكر نعمك، وقنا عذاب النار وزمهريرها. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *