أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية: دليل شامل للتعامل الرشيد مع التقنية

مقدمة: الإنسان والآلة في ميزان الاستخلاف

نعيش اليوم في عصر يتسارع فيه التطور التقني بوتيرة غير مسبوقة، حيث برز الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) كأحد أعظم التحولات في تاريخ البشرية. ومع هذا التحول، يجد المسلم المعاصر نفسه أمام تساؤلات جوهرية: كيف ننظر لهذه التقنية من منظور إسلامي؟ وما هي الضوابط الأخلاقية التي تحكم تعاملنا معها؟ إن الإسلام، بصلاحه لكل زمان ومكان، لا يقف موقف المتفرج من العلم، بل يحث عليه ويوجهه لخدمة الإنسانية. من هنا، تأتي أهمية قراءة الذكاء الاصطناعي من منظور “المقاصد الشرعية”، وهي الغايات العليا التي جاءت الشريعة لتحقيقها وحمايتها، والمتمثلة في حفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

أولاً: الذكاء الاصطناعي ومبدأ الاستخلاف في الأرض

ينطلق المنظور الإسلامي للتقنية من رؤية الإنسان كخليفة لله في الأرض، مأمور بعمارتها وتسخير ما فيها لنفع البشرية. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء: 70). إن هذا التكريم الإلهي يقتضي أن يكون الإنسان هو السيد والمتحكم في الآلة، وليس العكس. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطور، يظل أداة سخرها الله للإنسان (بإذنه) ليعينه على أداء رسالته في الإعمار، وهو ما يضع مسؤولية أخلاقية كبرى على المطورين والمستخدمين على حد سواء.

ثانياً: الذكاء الاصطناعي في ضوء المقاصد الشرعية الخمسة

تُعد المقاصد الشرعية البوصلة التي توجه السلوك البشري نحو المصالح ودرء المفاسد. وفيما يلي تفصيل لكيفية تطبيق هذه المقاصد على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي:

1. حفظ الدين: بين نشر العلم ومخاطر الفتوى الآلية

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة عظيمة لحفظ الدين ونشره، من خلال تسهيل الوصول لعلوم القرآن والسنة وترجمتها، وتفنيد الشبهات بسرعة فائقة. ومع ذلك، يبرز خطر “الفتوى المؤتمتة”؛ حيث تفتقر النماذج اللغوية الكبيرة إلى “الملكة الفقهية” وفهم المقاصد والسياقات الاجتماعية. لذا، يجب أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للعلماء لا بديلاً عنهم، مع الحذر من نسبة القدسية لما تنتجه الآلة من نصوص دينية قد تكون مشوبة بالخطأ أو التحريف.

2. حفظ النفس: الأمان والمسؤولية الجنائية

يبرز هذا المقصد بوضوح في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب والسيارات ذاتية القيادة والأسلحة المستقلة. الشريعة تؤكد على قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”. لذا، يجب أن تُبنى أنظمة الذكاء الاصطناعي على معايير أمان صارمة تمنع إلحاق الأذى المادي أو المعنوي بالبشر. كما يجب تحديد “المسؤولية” بوضوح؛ فإذا أخطأت الخوارزمية وأدت لوفاة شخص، فمن المسؤول شرعاً؟ هنا تبرز الحاجة لأطر قانونية وأخلاقية مستمدة من الفقه الإسلامي تضمن حقوق الأنفس البشرية.

3. حفظ العقل: مكافحة التزييف والاتكالية المعرفية

العقل هو مناط التكليف، وحفظه من أهم مقاصد الإسلام. يفرض الذكاء الاصطناعي تحديين كبيرين هنا: الأول هو “التزييف العميق” (Deepfakes) الذي يضلل العقول ويزيف الحقائق، والثاني هو “الخمول الذهني” الناتج عن الاعتماد الكلي على الآلة في التفكير والإبداع. الأخلاق الإسلامية توجب علينا التثبت، لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا” (الحجرات: 6). كما تدعو لإعمال العقل والاجتهاد، محذرة من الركون إلى مخرجات الآلة دون تمحيص ونقد.

4. حفظ النسل والعرض: الخصوصية والحماية من التشهير

يتعلق هذا المقصد بحماية كرامة الإنسان وخصوصيته. إن قدرة الذكاء الاصطناعي على جمع البيانات الضخمة وتحليلها قد تؤدي إلى انتهاك حرمات البيوت والأسر. الإسلام يشدد على الستر ويحرم التجسس، لقوله تعالى: “وَلَا تَجَسَّسُوا” (الحجرات: 12). لذا، فإن تصميم أنظمة تحترم خصوصية الأفراد وتمنع استخدام صورهم وبياناتهم في الابتزاز أو التشهير (عبر التزييف العميق مثلاً) هو واجب شرعي وأخلاقي أصيل.

5. حفظ المال: العدالة الاقتصادية ومستقبل العمل

يهدف هذا المقصد إلى حماية الثروات وضمان التداول العادل للمال. يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف بشأن البطالة التقنية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. من منظور إسلامي، يجب توظيف هذه التقنيات لتقليل الكلفة وتحسين الإنتاج بما ينفع المجتمع ككل، وليس لتركيز الثروة في يد قلة من ملاك التقنية. كما يجب الحذر من استخدام الخوارزميات في الغش التجاري أو التلاعب بالأسواق المالية.

ثالثاً: القواعد الفقهية الحاكمة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي

لضبط التعامل اليومي مع الذكاء الاصطناعي، يمكن الاستناد إلى عدة قواعد فقهية كبرى، منها:

  • الأصل في الأشياء الإباحة: ما لم يرد نص بالتحريم، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي مباح، بل قد يكون مندوباً إذا كان فيه نفع للمسلمين.
  • المشقة تجلب التيسير: نستخدم التقنية لتسهيل حياة الناس وتقليل الجهد البدني والذهني المرهق.
  • درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: إذا كان تطبيق معين للذكاء الاصطناعي سيجلب نفعاً مادياً لكنه سيهدد السلم المجتمعي أو الخصوصية، فإن منعه أولى.
  • الضرورات تبيح المحظورات (بضوابطها): في حالات معينة، قد نستخدم تقنيات متقدمة للضرورة القصوى (مثل التشخيص الطبي الدقيق) حتى لو شابتها بعض الإشكالات الفنية، مع السعي لتصحيحها.

رابعاً: ميثاق أخلاقي مقترح للمسلم في عصر الذكاء الاصطناعي

بناءً على ما سبق، يمكن صياغة معالم ميثاق أخلاقي يلتزم به المسلم (مطوراً أو مستخدماً):

  • الصدق والأمانة: عدم استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى كاذب أو مضلل، ونسبة الفضل لأصحابه (الأمانة العلمية).
  • العدل وعدم التحيز: الحرص على ألا تكون الخوارزميات متحيزة ضد فئة معينة بناءً على العرق أو الدين أو اللون، فالناس سواسية في الإسلام.
  • المسؤولية الاجتماعية: توجيه الابتكار نحو حل مشكلات الفقر، والمرض، والجهل، بدلاً من صرف الجهود في أمور تافهة أو ضارة.
  • التزكية الروحية: الحذر من أن تطغى المادية الرقمية على الجانب الروحي، والحفاظ على الصلة بالله والعبادات في عالم تملؤه الشاشات.

خاتمة: نحو نهضة تقنية بمرجعية قيمية

إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “أكواد” وخوارزميات، بل هو قوة قادرة على صياغة مستقبل البشرية. وبالنسبة لنا كمسلمين، فإن التحدي لا يكمن في رفض التقنية أو الانبهار الأعمى بها، بل في “تبيئتها” أخلاقياً وربطها بمقاصد الشريعة الغراء. إننا بحاجة إلى “ذكاء اصطناعي قيمي” يخدم الإنسان ولا يستعبده، يبني ولا يهدم، ويحترم الفطرة التي فطر الله الناس عليها. إن تمسكنا بمقاصد الشريعة ونحن نخطو نحو المستقبل الرقمي، هو الضمان الوحيد لئلا تفقد البشرية إنسانيتها في غمرة ثورة الآلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *