# أذكار الصباح والمساء: زاد المؤمن وحصنه المنيع
مقدمة: في رحاب الذكر والسكينة
إنَّ حاجة الأرواح إلى ذكر الله تعالى أعظم من حاجة الأبدان إلى الطعام والشراب، فبالذكر تحيا القلوب، وتنجلي الغموم، ويُطرد الشيطان. وقد جعل الله لنا في تعاقب الليل والنهار محطاتٍ إيمانية نستفتح بها يومنا ونختم بها ليلنا، وهي ما عُرف بـ أذكار الصباح والمساء. هذه الكلمات ليست مجرد أورادٍ تُقال باللسان، بل هي حصنٌ حصين، ودرعٌ متين، يحمي المسلم من آفات الدنيا وشرور النفس ووساوس الشيطان.
إن المداومة على هذه الأذكار تجعل العبد في معية الله، وتورثه طمأنينة لا تزلزلها الخطوب، ويقينًا لا تكدره الشكوك. وفي هذا المقال، نستعرض جملة من الأذكار المأثورة التي كان يحرص عليها السلف الصالح، مع بيان فضلها وكيفية استحضار القلب عند ترديدها.
مواقيت العبادة: متى نردد الأذكار؟
تُقال أذكار الصباح والمساء في وقتين مباركين؛ أما أذكار الصباح فتبدأ من بعد صلاة الفجر وحتى طلوع الشمس، وأما أذكار المساء فتبدأ من بعد صلاة المغرب، وقيل من بعد العصر. والغاية من هذا التوقيت هو استغلال أوقات الغدو والآصال، حيث تسبح الكائنات لخالقها، فينسجم المؤمن مع هذا الكون المسبح.
—
تفصيل أذكار الصباح والمساء
إليك هذه الأذكار المباركة، رددها بيقين وحضور قلب:
أولاً: إعلان التوحيد والاستعاذة من شرور اليوم
في الصباح تقول: “أصـبحنا وأصـبح المـلك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المـلك وله الحمـد، وهو على كل شيء قدير، رب أسـألـك خـير ما في هـذا اليوم وخـير ما بعـده، وأعـوذ بك من شـر ما في هـذا اليوم وشر ما بعـده، رب أعـوذ بك من الكسـل وسـوء الكِـبَرِ، رب أعـوذ بك من عـذاب في النـار وعـذاب في القـبر”.
وفي المساء تقول: “أمسينا وأمسى الملك لله…” وتستبدل كلمة اليوم بالليلة.
هذا الذكر هو إقرارٌ كامل بسيادة الله على الكون، وتفويضٌ تام للأمر إليه، واستعاذة من عجز الكبر وعذاب الآخرة.
ثانياً: طلب الفتح والبركة
تقول في الصباح: “أصبـحـنا وأصبـح المـلك لله رب العـالمـين، اللهـم إنـي أسـألـك خـير هـذا الـيوم، فَـتْحَه، ونصـره، ونـوره، وبـركتـه، وهـداه، وأعـوذ بـك مـن شـر ما فـيه وشـر ما بعـده”.
وفي المساء تقول: “أمسينا وأمسى الملك لله…”.
إنك بهذا الدعاء تسأل الله أن يفتح لك أبواب الرزق والتوفيق، وأن ينصرك على هوى نفسك، ويجعل في يومك بركةً في الوقت والعمل.
ثالثاً: سؤال العفو والعافية والحفظ
“اللهـم إنـي أسـألـك العـفو والعـافـية في الدنـيا والآخـرة، اللهـم إنـي أسـألـك العـفو والعـافـية في ديني ودنـياي، وأهـلي ومالـي، اللهـم استـر عـوراتي وآمـِنْ روعاتـي، اللهـم احفظـني من بـين يدي ومن خلفـي، وعن يمـيني وعن شمـالي، ومن فوقـي، وأعـوذ بعظمـتك أن أُغـتال من تحتـي”.
هذا دعاءٌ جامع، يطلب فيه العبد الحماية الإلهية من الجهات الست، ويستعيذ بالله من الغدر والمصائب المفاجئة، سائلاً الستر في الأهل والمال.
رابعاً: شكر النعمة وتمام العافية
تقول ثلاث مرات: “اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتْمِمْ نعمتك عليَّ وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة”.
وفي المساء تقول: “اللهم إني أمسيت منك…”.
تكرار هذا الذكر ثلاثاً يرسخ في النفس الامتنان لله على نعمه الظاهرة والباطنة، ويطلب منه سبحانه الدوام والتمام.
خامساً: الحماية باسم الله (ثلاث مرات)
“بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم”.
هذا الذكر هو صمام الأمان؛ فمن قاله بصدق لم يضره شيء بإذن الله، فهو لجوء إلى اسم الله العظيم الذي لا يقوى معه كيد كائد ولا ضرر حاسد.
سادساً: تجديد الرضا (ثلاث مرات)
“رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا ونبيًّا”.
الرضا هو جنة الدنيا، ومن رضي عن الله رضي الله عنه، وهذا الإقرار اليومي يجدد العهد مع الله على السمع والطاعة.
سابعاً: عظمة التسبيح (ثلاث مرات)
“سبحان الله وبحمده، عدد خَلْقِه، ورضا نفسه، وزِنَةَ عرشه، ومداد كلماته”.
هذا التسبيح يعدل عبادة ساعات طويلة، فهو تعظيم لله بكل ما يليق بجلاله وجماله وعظمة خلقه.
ثامناً: طلب العافية والاستعاذة من الكفر والفقر (ثلاث مرات)
“اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر”.
صحة الجسد والحواس هي رأس مال المؤمن، والاستعاذة من الفقر والديْن هي حماية لكرامته، والاستعاذة من عذاب القبر هي نجاة لآخرته.
تاسعاً: تفريج الهموم
“اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّين، وقهر الرجال”.
هذه الكلمات هي الدواء النبوي لأمراض العصر من قلق واكتئاب وعجز، ففيها استنصار بالله على كل ما يضعف الإرادة ويحطم النفس.
عاشراً: الاستغاثة بالحي القيوم
“يا حيُّ، يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين”.
افتقارٌ تام لله، وطلبٌ للإصلاح الشامل في كل شؤون الحياة، مع الاعتراف بأن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً بدون توفيق خالقه.
الحادي عشر: العلم والرزق والعمل
“اللهم إني أسألك علمًا نافعًـا، ورزقًا طيبًا، وعملًا مُتقبَّلًا”.
ثلاث ركائز يقوم عليها يوم المسلم: العلم الذي يهدي، والرزق الذي يكفي، والعمل الذي يُرفع ويُقبل.
الثاني عشر: الكفاية بالله (سبع مرات)
“حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم”.
من قالها سبعاً كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، وهي تجسيد لليقين المطلق بكفاية الله لعبده.
الثالث عشر: الصلاة على النبي (عشر مرات)
“اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد”.
بها تُقضى الحوائج، وتُغفر الذنوب، وتُفتح أبواب الرحمة، وهي وفاءٌ لحق النبي صلى الله عليه وسلم علينا.
—
لماذا يجب أن نحافظ على أذكار الصباح والمساء؟
إن الفوائد التي يجنيها المؤمن من المداومة على أذكار الصباح والمساء لا تُحصى، ومن أهمها:
1. انشراح الصدر: فذكر الله يزيل الهم والغم ويجلب الفرح والسرور للقلب.
2. الحفظ الإلهي: هي بمثابة الرقية الشرعية اليومية التي تقي من العين والحسد والسحر.
3. سعة الرزق: فالاستفتاح بذكر الله يطرح البركة في الوقت والمال والجهد.
4. مغفرة الذنوب: الأذكار تعمل على محو الخطايا وزيادة الحسنات في ميزان العبد.
5. تقوية الصلة بالخالق: تجعل لسان العبد رطباً بذكر الله، مما يجعله دائماً في حالة مراقبة وإحسان.
كيف تقرأ أذكار الصباح والمساء بفعالية؟
لكي تؤتي الأذكار ثمارها في حياتك، حاول اتباع الآتي:
- التدبر: لا تسرد الكلمات سرداً سرياً، بل قف عند كل جملة وتأمل معناها.
- اليقين: اقرأها وأنت موقنٌ بأن الله سيحفظك وسيكفيك وسيبارك لك.
- حضور القلب: حاول أن تفرغ قلبك من شواغل الدنيا لدقائق معدودة أثناء الذكر.
- السرية: الأفضل أن يذكر العبد ربه خفيةً وتضرعاً، لتكون العبادة خالصة لوجه الله.
خاتمة
إن أذكار الصباح والمساء هي الرحلة اليومية التي يغسل فيها المؤمن روحه من أدران الدنيا، وهي الزاد الذي لا ينفد في طريق السير إلى الله. فاجعل لنفسك منها نصيباً مفروضاً، ولا تحرم نفسك من هذا الخير العظيم، فما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا الآخرة إلا بعفوه.
*كتبه: فهد الشهراني (بتصرف وإعداد)*

اترك تعليقاً