# أذكار المساء: واحة الأمان وزاد الأرواح في ختام اليوم
مع غروب شمس كل يوم، وبداية انسدال ستار الليل على الكون، يحتاج المؤمن إلى مأوى يأوي إليه، وحصن يتحصن به من كبد الحياة ووساوس الشياطين. إن أذكار المساء ليست مجرد كلمات تُردد باللسان، بل هي حبل ممدود بين العبد وربه، وهي النور الذي يضيء عتمة النفس، والدرع الذي يحمي القلب من سهام القلق والهموم. إنها لحظات من الصفاء الروحي، نجدد فيها عهد العبودية لله، ونستودعه فيها أنفسنا وأهلنا وأموالنا.
فضل المداومة على أذكار المساء
لقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على ملازمة الذكر في طرفي النهار، ففي الصباح استنارة، وفي المساء استجارة. إن الذاكر لله في المساء يعيش في معية الله، ويشعر بسكينة لا يدرك كنهها إلا من ذاق حلاوتها. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}. فالذكر في هذا الوقت تحديداً له أثر عميق في تثبيت الإيمان ونفي الغفلة عن القلب.
عندما تلهج ألسنتنا بـ أذكار المساء، فنحن نعلن توكلنا الكامل على القوي العزيز، ونعترف بضعفنا وحاجتنا لمدده. إنها عبادة ميسورة الأداء، عظيمة الأجر، ثقيلة في الميزان، تجعل العبد في حصانة إلهية حتى يصبح.
—
آيات من الذكر الحكيم (فاتحة الحفظ)
نبدأ أذكارنا بأعظم آية في كتاب الله، وبسورة الإخلاص والمعوذتين، فهنّ الحماية والوقاية:
آية الكرسي
بسم الله الرحمن الرحـيم:
{اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.
سورة الإخلاص والمعوذتان
تُقرأ كل واحدة منها (ثلاث مرات)، وهي كافية للمسلم من كل سوء:
- بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}.
- بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
- بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.
- طلب العفو والعافية:
- الاستعاذة من الشيطان ونزغاته:
- التحصن باسم الله (ثلاث مرات):
- الرضا بالله رباً (ثلاث مرات):
- الافتقار إلى الله:
- الاستعاذة بكلمات الله (ثلاث مرات):
- الصلاة على النبي (عشر مرات):
- التهليل والتعظيم (مائة مرة):
—
أدعية المساء النبوية المأثورة
تأتي هذه الكلمات الشريفة لتصيغ علاقتنا بالكون وبالخالق في هذه اللحظات الفاصلة بين النهار والليل:
1. إعلان التوحيد والملك لله:
“أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى المُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ ما في هذِه اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ ما بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما في هذِه اللَّيْلَةِ وَشَرِّ ما بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بكَ مِنَ الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بكَ مِن عَذَابٍ في النَّارِ وَعَذَابٍ في القَبْرِ”.
2. التسليم المطلق لله:
“اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير”.
3. تجديد العهد على الفطرة:
“أمسينا على فطرة الإسلام وعلى كلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى ملَّة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين”.
4. شكر النعمة:
“اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر”.
5. الإشهاد على التوحيد (أربع مرات):
“اللهم إني أمسيت أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك”.
6. سؤال الله خير الليلة:
“أَمْسَيْنا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للهِ رَبِّ الْعَالَمَيْنِ، اللَّهُمَّ إِنَّي أسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَه اللَّيْلَةِ فَتْحَهَا ونَصْرَهَا، ونُوْرَهَا وبَرَكَتهَا، وَهُدَاهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فيهِا وَشَرَّ مَا بَعْدَهَا”.
—
سيد الاستغفار ودعاء العافية
لا يكتمل المساء إلا بالانكسار بين يدي الله وطلب عفوه وعافيته:
سيد الاستغفار
“اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ”.
دعاء العافية (ثلاث مرات)
“اللَّهمَّ عافِني في بدَني اللَّهمَّ عافِني في سمعي اللَّهمَّ عافِني في بصري لا إلهَ إلَّا أنت، اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ الكُفْرِ والفقرِ و أعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ لا إلهَ إلا أنت”.
التوكل على الله (سبع مرات)
“حَسْبِـيَ اللّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ عَلَـيهِ تَوَكَّـلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظـيم”.
—
سؤال الحفظ والأمان من الآفات
في عتمة الليل، نلجأ إلى الله ليحفظنا من الجهات الست، ومن شرور أنفسنا وشرور خلقه:
“اللّهُـمَّ إِنِّـي أسْـأَلُـكَ العَـفْوَ وَالعـافِـيةَ في الدُّنْـيا وَالآخِـرَة ، اللّهُـمَّ إِنِّـي أسْـأَلُـكَ العَـفْوَ وَالعـافِـيةَ في ديني وَدُنْـيايَ وَأهْـلي وَمالـي ، اللّهُـمَّ اسْتُـرْ عـوْراتي وَآمِـنْ رَوْعاتـي ، اللّهُـمَّ احْفَظْـني مِن بَـينِ يَدَيَّ وَمِن خَلْفـي وَعَن يَمـيني وَعَن شِمـالي ، وَمِن فَوْقـي ، وَأَعـوذُ بِعَظَمَـتِكَ أَن أُغْـتالَ مِن تَحتي”.
“اللّهُـمَّ عالِـمَ الغَـيْبِ وَالشّـهادَةِ فاطِـرَ السّماواتِ وَالأرْضِ رَبَّ كـلِّ شَـيءٍ وَمَليـكَه، أَشْهَـدُ أَنْ لا إِلـهَ إِلاّ أَنْت، أَعـوذُ بِكَ مِن شَـرِّ نَفْسـي وَمِن شَـرِّ الشَّيْـطانِ وَشِـرْكِه، وَأَنْ أَقْتَـرِفَ عَلـى نَفْسـي سوءًا أَوْ أَجُـرَّهُ إِلـى مُسْـلِم”.
“بِسـمِ اللهِ الذي لا يَضُـرُّ مَعَ اسمِـهِ شَيءٌ في الأرْضِ وَلا في السّمـاءِ وَهـوَ السّمـيعُ العَلـيم”.
“رَضيـتُ بِاللهِ رَبًـا وَبِالإسْلامِ ديـنًا وَبِمُحَـمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيّـًا ورسولًا”.
—
الاستغاثة برحمة الله والتعوذ بكلماته
“يَا حَيُّ يَا قيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ أصْلِحْ لِي شَأنِي كُلَّهُ وَلاَ تَكِلُنِي إلَى نَفْسِي طَـرْفَةَ عَين”.
“أَعـوذُ بِكَلِمـاتِ اللّهِ التّـامّـاتِ مِنْ شَـرِّ ما خَلَـق”.
“اللهم صل وسلم على نبينا محمد”.
“لَا إلَه إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلُّ شَيْءِ قَدِيرِ”.
—
كيف تجعل أذكار المساء منهج حياة؟
إن القوة الحقيقية لهذه الأذكار تكمن في استحضار القلب أثناء تلاوتها. لا تجعلها مجرد كلمات تمر على لسانك، بل تأمل في معانيها. عندما تقول “أعوذ بكلمات الله التامات”، استشعر أنك في كنف الله الذي لا يُضام من استجار به. وعندما تقول “أبوء لك بنعمتك علي”، استعرض نعم الله التي غمرتك طوال يومك، من صحة في البدن، وأمن في السكن، وستر من الله الجميل.
آداب الذكر في المساء:
1. الوقت: يبدأ وقت أذكار المساء من بعد صلاة العصر ويمتد إلى ما بعد غروب الشمس، والأفضل الإتيان بها قبل الغروب لتستقبل الليل وأنت محصن.
2. الاستقبال: يُستحب استقبال القبلة والجلوس في مكان هادئ بعيداً عن ضجيج الدنيا.
3. الخفوت: أن تذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول.
4. اليقين: أن توقن بأن الله يسمعك، وأنه سيحفظك ببركة هذه الكلمات.
الخاتمة: ثمار الالتزام بالأذكار
إن من يداوم على أذكار المساء سيجد أثر ذلك في حياته سكينةً في النفس، وبركةً في الوقت، وحفظاً من المكاره. إنها التجارة الرابحة مع الله، وهي الزاد الذي لا ينفد. فاجعل لنفسك ورداً لا تتركه أبداً، وكن من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، لعل الله يكتبك من الفائزين برضوانه في الدنيا والآخرة. تذكر دائماً أن ليلك يبدأ بذكر، وينتهي بذكر، وبين ذلك رعاية من الرحمن لا تنام.
اجعل هذا المقال مرجعك اليومي، وشاركه مع أحبتك، فالدال على الخير كفاعله، ولعل كلمة تخرج من قلبك في ساعة غروب تفتح لك أبواب السماء وتغير مجرى حياتك إلى الأفضل.

اترك تعليقاً