الفضاء لم يعد بعيداً.. ولكن أرتيميس 2 استثنائية
أصبح السفر إلى الفضاء أمراً مألوفاً في عصرنا الحالي. فخلال العقود الثلاثة الماضية، سافر ما يقرب من 300 شخص من وإلى محطة الفضاء الدولية (ISS)، حيث قضى بعضهم أشهراً متواصلة هناك. وفي السنوات القليلة الماضية، أطلقت شركة «بلو أوريجن» (Blue Origin) سلسلة من الرحلات النهارية القصيرة التي تجاوزت حدود الفضاء مباشرة، والتي وصفت بأنها «ألعاب ترفيهية فاخرة» للمشاهير والشخصيات العامة.
لكن مهمة «أرتيميس 2» (Artemis II) القمرية تختلف كلياً عن كل ما سبق.
هذه المهمة التي تنفذها وكالة «ناسا» (NASA)، تحمل أربعة رواد فضاء في رحلة ذهاب وإياب إلى القمر، على بعد حوالي 250 ألف ميل من الأرض، وهي مسافة أبعد بألف مرة من محطة الفضاء الدولية. سيتعين على هؤلاء الرواد التحرر تماماً من جاذبية الأرض، وهي رحلة لم يقم بها سوى 24 إنساناً فقط في التاريخ، وكان آخرهم في عام 1972.
أبعد مما وصل إليه البشر من قبل
ستأخذ مركبة «أوريون» (Orion) التابعة لمهمة أرتيميس 2 روادها الأربعة إلى مسافة أبعد مما سافر إليه أي إنسان في الفضاء السحيق، حيث ستسير في قوس طويل يصل إلى 4700 ميل وراء الجانب البعيد من القمر. وعلى سبيل المقارنة، كان رواد فضاء «أبولو» (Apollo) قبل أكثر من 50 عاماً يدورون في مدار قمري على بعد حوالي 70 ميلاً فقط من السطح.
سيمثل هذا إنجازاً هائلاً لناسا بحد ذاته، لكنه أيضاً يبشر بعصر جديد ومضطرب في عصر الفضاء الذي ما زال يتكشف فصولاً. ومع ذلك، يبدو أن هذا الحدث العظيم لم يأخذ حيزاً كافياً من النقاش العام العالمي وسط الانشغال بصراعات الأرض وأزماتها الاقتصادية.
من الاستكشاف إلى الاستغلال التجاري
بينما كانت بعثات «أبولو» تتويجاً للموجة الأولى من استكشاف الفضاء المليئة بالبطولات، تمثل مهمات «أرتيميس» بداية عصر جديد تماماً من «استغلال» الفضاء. لن تهبط أرتيميس 2 على سطح القمر، بل هي رحلة تحليق تحضيرية (Flyby) للهبوط المرتقب في مهمة «أرتيميس 4» المقررة حالياً في أوائل عام 2028.
تشمل أهداف ناسا طويلة المدى إنشاء قاعدة قمرية لتحقيق «وجود بشري دائم» على القمر. ستصبح تلك القاعدة مركزاً لمجموعة طموحة من الأنشطة، من الأبحاث العلمية وتوليد الطاقة إلى بناء بنية تحتية مستدامة وقابلة للسكن.
في الماضي، جلبت مهام أبولو بعض الصخور والأتربة التذكارية، أما في السنوات المقبلة، فستتطلع الولايات المتحدة ودول أخرى إلى فتح موارد القمر الطبيعية، واستخراج المعادن ذات القيمة الصناعية، واستغلال الجليد المائي للبقاء على قيد الحياة، وكذلك لإنتاج الوقود. لقد بدأت ناسا وجهات أخرى في التفكير بجدية في فرص «التعدين الفضائي التجاري».
سباق الأثرياء والقوى العظمى
لم تقتصر جهود ناسا على التعاون الحكومي، بل أشركت أثرياء الكوكب مثل «إيلون ماسك» (SpaceX) و«جيف بيزوس» (Blue Origin). كما أن الولايات المتحدة ليست وحدها في هذا السباق؛ فلدى الصين خطط لإرسال طواقمها إلى القمر في عام 2030، بينما تنشغل روسيا والهند ودول أخرى ببرامج مركبات الهبوط القمرية غير المأهولة.
نحن لسنا بعيدين عن جولة جديدة وغير مسبوقة من تنافس القوى العظمى، حيث الرهانات حقيقية وتتجاوز مجرد التباهي بالإنجازات.
رؤية ماسك: مدن صناعية ومراكز بيانات في الفضاء
يبرز إيلون ماسك كقوة تقنية مستقلة بذاتها، حيث حول اهتمامه من المريخ مؤقتاً إلى القمر. ففي مطلع هذا العام، صرح ماسك بأنه يركز على «بناء مدينة تنمو ذاتياً على القمر» في غضون أقل من 10 سنوات. لن تكون مدينة سياحية بقدر ما ستكون مدينة صناعية مخصصة للتصنيع والبحث العلمي، حيث يمكن للمصانع هناك استغلال الموارد القمرية لتصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها إلى أعماق الفضاء.
وعلى المدى القريب، هناك حديث عن «مراكز بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي» (AI Data Centers) في المدار. ويبدو أن «جنسن هوانغ»، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيدبا» (Nvidia)، مهتم أيضاً بهذه الفكرة، مما يعزز التوجه نحو نقل البنية التحتية الرقمية الثقيلة إلى الفضاء.
التحديات الاقتصادية والمستقبل
ستخضع كل هذه الخطط لاختبارات الواقع الهندسي والاقتصادي الصعب. يتصور ماسك إطلاق صواريخ كل 10 أيام لدعم بناء مدينة القمر، بينما تستهدف ناسا الهبوط كل ستة أشهر. لكن الرحلات القمرية أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإطلاق إلى المدار الأرضي المنخفض.
في النهاية، ستكون التكاليف والتجارة في قلب المحادثات التي نحتاج إلى إجرائها حول ما نفعله على القمر. يجب أن نهتم بمهمة أرتيميس الحالية، ليس فقط كإنجاز تقني مثير، بل كبداية لتطبيق ميثاق الأمم المتحدة لعام 1979 الذي ينص على أن: «القمر وموارده الطبيعية هي تراث مشترك للبشرية جمعاء».
المصدر: CNET


اترك تعليقاً