أزمة أوروبا المنسية: لماذا يخطئ ترامب في تشخيص الانهيار القادم؟

أزمة أوروبا المنسية: لماذا يخطئ ترامب في تشخيص الانهيار القادم؟

بينما كان العالم يترقب التصريحات المثيرة للجدل للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، جاءت "إستراتيجية الأمن القومي" لتعكس رؤية أعمق وأكثر تعقيداً لمستقبل القارة العجوز. لم تكن مجرد خطابات مسرحية، بل وثيقة رسمية تحذر من "طمس حضاري" قد يجعل من الصعب التعرف على أوروبا خلال عقدين من الزمن، ما لم تتدخل واشنطن لإعادة "المجد الضائع" للقارة المرتبطة بها عاطفياً وتاريخياً.

ورغم أن ترامب قد أصاب في وصف أوروبا بـ "الضعف"، إلا أن تشخيصه لأسباب هذا الضعف جانب الصواب تماماً. فالأزمة الحقيقية ليست في العوامل الخارجية التي يروج لها، بل في نخر داخلي يصيب قيم الديمقراطية والتعددية.

تشريح الضعف الأوروبي: جذور الأزمة لا أعراضها

تعاني أوروبا منذ عقود من أزمات هيكلية يتجنب القادة السياسيون مواجهتها بشكل مباشر، مفضلين التعامل مع الأعراض بدلاً من الجذور. ويمكن تلخيص هذا الضعف في نقاط جوهرية:

  • غياب الاستثمار البشري: تراجع الاهتمام بتطوير المجتمعات المهمشة وإدماجها.
  • الانحدار الديمغرافي: تناقض حاد بين شيخوخة السكان والحاجة لنمو اقتصادي مستدام.
  • تآكل القيم: شيطنة الأقليات بدلاً من الدفاع عن التعددية التي قامت عليها الهوية الأوروبية الحديثة.

"الروما": المرآة التي تكشف زيف الشعارات

إذا أردنا فهم مواضع الألم الحقيقية في أوروبا، يجب أن ننظر إلى تجربة "الروما". هذه الأقلية، التي تعود أصولها إلى الهند واستقرت في أوروبا منذ ألف عام، تمثل اليوم أكثر من 12 مليون نسمة يعيش معظمهم في وسط وشرق القارة.

تُعد تجربة الروما دليلاً صارخاً على سياسة "الإقصاء الممنهج"، حيث يُعامل ملايين البشر كضحايا جانبيين للفشل السياسي. وبينما يخشى القادة الأوروبيون مواجهة روسيا، يظهرون "قوة زائفة" عبر قمع الجماعات الأضعف داخل حدودهم.

مظاهر العنصرية المؤسسية في القارة:

  1. سلوفينيا: قوانين أمنية مشددة تستهدف أحياء الروما بناءً على حوادث فردية.
  2. البرتغال: صعود الخطاب اليميني المتطرف (حزب شيغا) الذي يركز حملاته على استهداف "الغجر".
  3. إيطاليا واليونان: سياسات قائمة على جنون الارتياب الأمني، وصلت حد إطلاق النار على الشباب لأسباب بسيطة.

الانتحار الاقتصادي: تكلفة إهدار رأس المال البشري

تشير إحصائيات إستراتيجية ترامب إلى تراجع حصة أوروبا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 25% عام 1990 إلى 14% اليوم. وبينما يُلقى باللوم على اللوائح التنظيمية، تكمن المشكلة الحقيقية في إهدار الطاقات البشرية.

  • فرصة ضائعة: الروما هم الفئة الشابة الأكبر في القارة، لكنهم محرومون من التعليم والعمل.
  • أرقام مذهلة: تشير التقديرات إلى أن دمج الروما اقتصادياً في دول مثل رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا قد يضخ حوالي 10 مليارات يورو في الناتج المحلي الإجمالي.
  • عجز العمالة: في قارة تفقد مليوني عامل سنوياً، يعد استمرار تهميش 12 مليون إنسان نوعاً من تدمير الذات الاقتصادي.

العجز الديمقراطي وغياب التمثيل

يدعي ترامب وجود تقويض للعمليات الديمقراطية، وهو محق، لكن ليس للأسباب التي يتخيلها. العجز الحقيقي يكمن في غياب تمثيل ملايين المواطنين.

  • مفارقة التمثيل: تحصل دول صغيرة مثل مالطا ولوكسمبورغ (أقل من 700 ألف نسمة) على مقاعد في البرلمان الأوروبي، بينما يفتقر 12 مليون من الروما لأي تمثيل حقيقي.
  • التبعات السياسية: الإقصاء السياسي يؤدي إلى ضعف الإقبال على التصويت، ويجعل هذه المجتمعات عرضة للاستغلال والابتزاز الانتخابي، مما يضعف نزاهة المؤسسات الديمقراطية ككل.

وهم "الحل اليميني": لماذا لن ينقذ ترامب أو حلفاؤه أوروبا؟

يرى ترامب أن اليمين المتطرف هو المنقذ، لكن

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *