أزمة الجوهر بين وفرة المعارف وغياب الأثر: مراجعة في المنهج التربوي والروحي

نشهد في واقعنا المعاصر ظاهرة تستحق التأمل العميق والوقوف الطويل؛ إذ نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم. فمن جهة، لم يمر على الأمة زمن توفرت فيه المعارف الشرعية، وانتشر فيه حفظ القرآن الكريم، وتعددت فيه منابر الدعوة ووسائل العمل الإسلامي كما هو الحال في جيلنا الراهن. القنوات الدعوية تملأ الفضاء، والدورات العلمية متاحة بضغطة زر، والمشاريع الخيرية والتربوية في كل حدب وصوب. لكن، وعلى الجانب الآخر، يبرز تساؤل مؤلم يفرض نفسه على الوجدان: أين هو الأثر الملموس لهذا الامتداد الكمي في العمق الكيفي للنفوس؟ وأين توارت تلك الروحانية الوثابة، وحرارة الإيمان الصادقة، والسمت الأخلاقي الرفيع الذي كان يميز سلفنا الصالح وأوائل هذه الأمة؟

إن هذا التباين الصارخ بين “الضجيج” المعرفي وبين “الثمر” السلوكي يشير بوضوح إلى أننا نعيش حالة من الانفصام بين الشعارات المرفوعة والواقع المعاش. فنحن نجيد صياغة المبادئ، ونبرع في تنظير القيم، ونرفع رايات الإصلاح في كل محفل، لكننا حين ننتقل إلى ميدان التعاملات اليومية، ومواجهة حظوظ النفس، وضبط الانفعالات، نجد فجوة سحيقة تفصل بين ما نقوله وبين ما نفعله، وبين ما نعتقده في عقولنا وما تمارسه جوارحنا.

أزمة الأخلاق.. لب القضية وجوهر المأزق

إن التشخيص الدقيق للحالة التي يعيشها الكثير من العاملين في الحقل الإسلامي اليوم يكشف عن أن الأزمة في جوهرها هي “أزمة أخلاقية” بامتياز. وليست الأخلاق هنا مجرد كلمات لطيفة أو ابتسامات عابرة، بل هي التجلي الحقيقي للإيمان في واقع الحركة والحياة. إن المأزق يكمن في تحول الدين لدى البعض إلى طقوس ظاهرية ومعلومات ذهنية، بينما يظل القلب بعيداً عن جوهر التزكية ومقتضيات الاستقامة الأخلاقية.

لقد استغرقنا طويلاً في دراسة “الأحكام” الفقهية، وتفصيل “الحلال والحرام”، وهو أمر ضروري بلا شك، لكننا في غمرة ذلك أهملنا تعليم “الإيمان” الذي هو الروح المحركة لتلك الأحكام. فالأحكام بلا إيمان كالجثة بلا روح؛ شكل بلا مضمون، وحركة بلا حياة. عندما تُدرس الأحكام بمعزل عن تعظيم الله ومراقبته، تتحول إلى مجرد قوانين جافة يُبحث لها عن مخارج وتبريرات، بدلاً من أن تكون منطلقات للتقرب والزلفى.

من التزكية النظرية إلى التربية الميدانية

أحد العيوب المنهجية التي نعاني منها هو حصر مفهوم “التزكية” وتهذيب النفوس في بطون المتون والكتب الصفراء. لقد درسنا منازل السائرين، وقرأنا عن الصبر والرضا والتوكل والتواضع كأبواب علمية جافة، وخضنا في تعريفاتها وتقسيماتها وشروطها، لكننا نادراً ما مارسناها في “الميدان” الحقيقي للحياة.

  • التزكية الحقيقية لا تُنال بالاعتزال في غرف القراءة فحسب، بل تُصقل في معترك الحياة؛ حين يُظلم الإنسان فيعفو، وحين يُستفز فيحلم، وحين تلوح له مغانم الدنيا فيزهد.
  • إن دراسة الأخلاق في الكتب تمنحك “معلومات” عن الفضيلة، لكن ممارستها في الموقف الصعب هي التي تبني “الشخصية” الفاضلة.
  • المشكلة تكمن في أننا أصبحنا نملك “ثقافة إسلامية” واسعة، لكننا نفتقر إلى “التربية الإيمانية” العميقة التي تُحول المعلومة إلى حال، والحال إلى خلق مستقر.
  • سجن الكتب وغياب القدوة الحية

    تعلقنا بالورق، وانبهرنا بالمكتبات التي تزخر بآلاف الأسفار، وظننا أن كثرة القراءة وحدها كفيلة بصناعة الإنسان الرباني. بيد أن التجربة التاريخية والواقعية تثبت أن الكتب بمفردها لا تصنع رجالاً، وإنما يصنع الرجالَ الرجالُ. إن الغياب الملحوظ للقدوات الحية والمربين الذين يجسدون الإيمان في سلوكهم هو أحد أسباب تراجع الأثر الإيماني في نفوس الشباب.

    لقد كان السلف يرحلون لطلب “السمت” و”الهدي” قبل طلب “العلم”. كانوا يصاحبون الصالحين ليروا كيف يتكلمون، وكيف يصمتون، وكيف يتعاملون مع الخصوم والمحبين. أما اليوم، فقد استبدلنا “الصحبة” بـ “المتابعة” عبر الشاشات، واستبدلنا “القدوة” بـ “المشهور”، فصار عندنا وعي معرفي لكنه خاوٍ من المدد الروحي الذي تنتجه المصاحبة الحقيقية لمن يذكرك بالله حاله قبل مقاله.

    المواعظ الباردة والمواقف الغائبة

    تمتلىء حياتنا المعاصرة بسيل لا ينقطع من المواعظ والخطب والدروس. نحن في عصر “التضخم الوعظي”، حيث الكلمات منمقة والأساليب جذابة، ولكنها في كثير من الأحيان تظل “كلاماً في كلام”. الموعظة التي لا يسندها موقف، والخطبة التي لا يصدقها واقع القائل، تظل حبيسة الآذان ولا تجد طريقاً إلى القلوب.

    إن ما تحتاجه الأمة اليوم ليس مزيداً من التنظير، بل حاجتها ماسة إلى “المواقف”. الموقف هو الذي يبرهن على صدق الموعظة، وهو الذي يمنح الكلمات قوتها وتأثيرها. عندما يرى الناس إنساناً يتمسك بمبادئه رغم الخوف، أو يؤثر غيره على نفسه رغم الحاجة، فإن هذا الموقف الواحد يفعل في النفوس ما لا تفعله ألف خطبة عصماء. الأزمة هي أننا استهلكنا طاقاتنا في تجميل الأقوال، وتركنا الميدان خالياً من الأفعال التي تجسد عظمة هذا الدين.

    عقيدة الروح لا “فيزياء” العقول

    من أخطر ما أصاب مناهجنا التربوية هو تحويل “العقيدة” إلى مادة جافة تُدرس بأساليب منطقية وجدلية بحتة، تشبه في صرامتها وبرودتها دراسة “الفيزياء” أو الرياضيات. نغرق في الردود على الشبهات، وتفنيد الفرق المنحرفة، وحفظ التقسيمات العقدية المعقدة، ثم نتساءل بمرارة: لماذا قست قلوبنا؟ ولماذا غابت الدمعة من أعيننا؟ ولماذا لا نجد لذة المناجاة؟

    السبب يكمن في أننا تعاملنا مع “الله” سبحانه وتعالى كقضية ذهنية نبرهن عليها، لا كإله عظيم نعبده ونحبه ونرجوه ونخافه. العقيدة في أصلها هي “حب وتعظيم”، هي صلة وصل بين العبد وربه، هي يقين يملأ القلب طمأنينة. فإذا تحولت إلى مجرد معادلات فكرية وجدل كلامي، فقدت قدرتها على ترقيق القلب وإحياء الروح، وصار صاحبها يملك عقلاً محشواً بالبراهين وقلباً قاوياً كالحجارة أو أشد قسوة.

    نحو منهجية جديدة في البناء والتربية

    إن هذا الواقع يحتم علينا مراجعة شاملة وجريئة لمنهجنا في بناء أنفسنا وتربية جيلنا الصاعد. لا بد من العودة إلى الأصول التي صنعت الجيل الأول، والتي تركز على الجوهر قبل المظهر، وعلى الروح قبل الصورة. ويمكن تلخيص ملامح هذه العودة في النقاط التالية:

  • إعلاء قيمة التفكر: إن ساعة واحدة يخلو فيها العبد مع ربه، يتأمل في ملكوته، ويراجع فيها حسابات نفسه بصدق، ويستشعر عظمة الخالق، قد تمنحه من البصيرة والنور ما لا تمنحه مئة درس تعليمي يُلقى عليه وهو غافل القلب. التفكر هو عبادة العقلاء التي تعيد ترتيب الأولويات في النفس.
  • البحث عن الصحبة الصالحة: يجب أن ندرك أن صلاح المرء مرتبط بمن يصاحب. إن صحبة صادقة لمؤمن تقي، يصدقك النصح، ويدلك على عيوبك برفق، ويأخذ بيدك نحو الطاعة، هي أبلغ أثراً وأعمق نفعاً من آلاف الخطب والمحاضرات العامة. فالقدوة تُعدي بالحال لا بالقال.
  • إحياء مجالس الذكر الحقيقية: لسنا بحاجة إلى مجالس للمفاخرة بالعلم أو الجدال، بل نحن فقراء إلى مجالس ذكر تخشع فيها القلوب، وتدمع فيها العيون، ويُجدد فيها الإيمان. مجلس واحد يحيي قلبك الميت ويذكرك بالآخرة، هو خير لك من مكتبة ضخمة مليئة بالأسفار التي لا تتجاوز رفوفها.
  • تحويل المعرفة إلى مسلك: يجب أن يكون شعارنا “تعلمنا لنعمل”. كل معلومة شرعية لا تتحول إلى خلق في التعامل، أو زيادة في العبادة، أو رقة في القلب، هي حجة على صاحبها لا له.

إن استعادة “الأثر المفقود” تبدأ حين ندرك أن التدين ليس “كمية” معلومات نختزنها، بل هو “نوعية” حياة نعيشها. هو أن يراك الناس فيروا فيك آثار الرحمة، والصدق، والأمانة، والتواضع. هو أن يكون إيمانك غيباً يصدقه شهودك، وباطناً يزينه ظاهرك. عندها فقط، نردم الفجوة، ونعيد للإسلام بريقه الأخلاقي الذي فتح القلوب قبل البلاد.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *