أزمة السيولة في غزة: هل ينجح “التجويع المالي” فيما فشل فيه القصف؟

أزمة السيولة في غزة: هل ينجح “التجويع المالي” فيما فشل فيه القصف؟

غزة تحت الحصار المالي: تفاقم أزمة السيولة النقدية

في ظل استمرار الحرب المدمرة على غزة، تتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بشكل غير مسبوق، وتبرز أزمة السيولة النقدية كأحد أبرز التحديات اليومية التي تواجه السكان. فمع استمرار القيود المفروضة على دخول الأموال إلى القطاع، وإغلاق البنوك، واستغلال بعض التجار للوضع الراهن، يواجه الغزيون واقعًا اقتصاديًا مريرًا يهدد بتفكيك المجتمع من الداخل.

عمولات السحب النقدية: استنزاف مدمر للدخول المحدودة

يشهد قطاع غزة ارتفاعًا جنونيًا في عمولات السحب النقدي، حيث وصلت في بعض الأحيان إلى 45%، بل وتجاوزت الـ 50%، مما يمثل استنزافًا حقيقيًا للدخول المحدودة للمواطنين. هذا الارتفاع الصاروخي في العمولات يرجع إلى عدة عوامل، أبرزها:

  • إغلاق البنوك: توقف عمل البنوك بشكل كامل بسبب الحرب.
  • منع إدخال الأموال: استمرار منع الاحتلال دخول السيولة النقدية إلى القطاع.
  • ممارسات التجار: لجوء بعض التجار إلى إخفاء السيولة بهدف تحقيق أرباح إضافية.

هذه العوامل مجتمعة أدت إلى شحّ حاد في السيولة النقدية، مما اضطر الكثيرين إلى دفع عمولات باهظة لسحب أموالهم عبر التطبيقات البنكية، وهو ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين، وأصاب حركة السوق بالشلل.

"هندسة التجويع المبرمج": خطة متكاملة لتفكيك المجتمع

يرى العديد من المحللين والمدونين أن أزمة السيولة النقدية ليست مجرد مشكلة اقتصادية عابرة، بل هي جزء من "هندسة تجويع مبرمج" تهدف إلى إخضاع المجتمع الغزي وتفتيته. تتضمن هذه الهندسة عدة مراحل:

  1. سحب السيولة النقدية: من خلال رفع عمولات السحب، وتشجيع استيراد سلع غير أساسية مقابل الدفع النقدي.
  2. خلق تبعية اقتصادية: عبر جعل المواطنين يعتمدون على المساعدات المجانية التي توزعها مؤسسات مدعومة من الاحتلال.
  3. فرض تبعية سياسية: من خلال تحويل التبعية الاقتصادية إلى تبعية سياسية قسرية.

خطة جدعون ساعر: سحب تدريجي للعملة وتدمير القدرة الشرائية

يشير البعض إلى أن ما يحدث في غزة هو تطبيق عملي لخطة وزير الخارجية الإسرائيلي السابق جدعون ساعر، التي كانت تهدف إلى إلغاء ورقة الـ200 شيكل من التداول في القطاع. ورغم فشل تنفيذ الخطة بشكل مباشر، إلا أن الاحتلال لجأ إلى سحب العملة تدريجيًا، مما أدى إلى نقص السيولة، وارتفاع الأسعار، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين.

الحرب الصامتة: "القتل البطيء بالحرمان المالي"

يصف البعض هذه الأزمة بأنها "حرب صامتة" أو "قتل بطيء بالحرمان المالي"، حيث يرى الاحتلال أن القصف وحده لا يكفي لكسر إرادة المجتمع الغزي، بل يسعى إلى تفتيته من الداخل عبر الحصار المالي، وتحويله إلى مجتمع مفكك طبقيًا، ومنهك نفسيًا، ويعتمد اقتصاديًا على العدو.

مقترحات للحل: تفعيل النظام المالي الإلكتروني وإنقاذ البنوك

في ظل هذا الوضع المأساوي، يرى المدونون والمحللون ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة للتخفيف من حدة الأزمة، ومن بين هذه الخطوات:

  • تفعيل النظام المالي الإلكتروني: تشجيع استخدام التطبيقات البنكية في عمليات الشراء والدفع.
  • صيانة النظام البنكي: إعادة تشغيل البنوك ولو بشكل جزئي.
  • استبدال العملات المهترئة: إدخال عملات جديدة بدلًا من العملات التالفة.
  • إدخال السيولة النقدية: السماح بدخول الأموال إلى القطاع.
  • تدخل سلطة النقد الفلسطينية: اتخاذ خطوات فعالة بالتعاون مع البنوك لمواجهة الأزمة.

نداء استغاثة: المجتمع الغزي يواجه خطر التفكك

إذا لم تتدخل الأطراف الدولية والمنظمات الإنسانية لكسر الحصار المالي، فإن النتائج ستكون كارثية، ولن تقتصر على الفقر، بل ستصل إلى تفكك وجودي للمجتمع الفلسطيني، وارتفاع معدلات الهجرة القسرية، والاستجداء، وبيع الممتلكات. إنقاذ غزة من هذه الأزمة يتطلب تحركًا فوريًا وجادًا لإنقاذ ما تبقى من هذا المجتمع الصامد.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *