أزمة النحاس العالمية: هل يعيق “الذهب الأحمر” ثورة الذكاء الاصطناعي والتحول الطاقي؟

أزمة النحاس العالمية: هل يعيق “الذهب الأحمر” ثورة الذكاء الاصطناعي والتحول الطاقي؟

لم يعد النحاس مجرد معدن يُستخدم في التمديدات الكهربائية التقليدية، بل بات يُعرف اليوم بـ "معدن المستقبل" أو "الذهب الأحمر" الذي قد يحدد مصير النمو الاقتصادي العالمي في العقد المقبل. ومع تسارع وتيرة التحول الرقمي والبيئي، كشف تقرير حديث لوكالة "بلومبيرغ" عن فجوة مقلقة تتسع يوماً بعد يوم بين طلب تاريخي متزايد وإمدادات عالمية تكافح للبقاء في دائرة المنافسة.

النحاس.. المحرك الخفي لتقنيات المستقبل

يدخل النحاس في صلب كل ما يعتمد على الكهرباء، لكن الضغوط الحالية لا تأتي من الأدوات المنزلية فحسب، بل من قطاعات استراتيجية تقود العالم اليوم:

  • ثورة الذكاء الاصطناعي: تحتاج مراكز البيانات الضخمة التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى كميات هائلة من النحاس، حيث تستهلك ما يصل إلى أربعة أضعاف ما تستهلكه المراكز التقليدية.
  • السيارات الكهربائية: تعد هذه المركبات "وحوشاً" للنحاس، إذ تستهلك ثلاثة أضعاف الكمية المستخدمة في سيارات الاحتراق الداخلي.
  • الطاقة النظيفة: يمثل النحاس العمود الفقري لشبكات الطاقة المتجددة وتحديث البنى التحتية الكهربائية لخفض الانبعاثات.

وتشير تقديرات "بلومبيرغ نيو إنرجي فاينانس" إلى أن الاستهلاك العالمي للنحاس مرشح للارتفاع بنسبة تزيد عن الثلث بحلول عام 2035.

معضلة الإمدادات: لماذا لا يستطيع العالم إنتاج المزيد؟

رغم القفزات السعرية التي وصلت إلى مستويات قياسية (تجاوزت 13 ألف دولار للطن في بورصة لندن)، إلا أن زيادة الإنتاج تواجه عقبات هيكلية وجيولوجية معقدة:

  1. الكوارث الطبيعية والبيئية: شهد عام 2025 سلسلة من النكسات، من فيضانات مدمرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى انهيارات منجمية في تشيلي وانزلاقات طينية في إندونيسيا، مما أدى إلى تعطل الإنتاج في مناجم كبرى.
  2. الفجوة الزمنية للاكتشاف: يستغرق تحويل مكمن نحاس مكتشف حديثاً إلى منجم منتج فعلياً فترة تتجاوز 15 عاماً في المتوسط، علماً أن وتيرة الاكتشافات الكبرى تباطأت بشدة في العقد الأخير.
  3. تراجع جودة الخامات: تضطر الشركات حالياً لاستخراج النحاس من رواسب ذات جودة أقل، مما يرفع تكاليف الإنتاج ويقلل الجدوى الاقتصادية في ظل تقلبات السوق.

الجغرافيا السياسية وصراع النفوذ

يلعب النحاس دوراً محورياً في لعبة الشطرنج السياسية بين القوى العظمى:

  • الهيمنة الصينية: رغم أن الصين تمتلك احتياطات محدودة، إلا أنها تسيطر على أكثر من 40% من إنتاج النحاس المكرر عالمياً، مما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها للبحث عن "بدائل آمنة" سياسياً لتأمين احتياجاتهم.
  • عامل ترامب والرسوم الجمركية: أدت التهديدات بفرض رسوم جمركية أميركية على النحاس المكرر إلى ارتباك في تدفقات التجارة العالمية، حيث سارعت الشركات لتخزين المعدن داخل أميركا خوفاً من تقلبات السياسة التجارية.

الاندماجات الكبرى: الملاذ الأخير للشركات

في ظل صعوبة فتح مناجم جديدة، اتجهت عمالقة التعدين نحو استراتيجية الاستحواذ والاندماج لزيادة حصصها السوقية. ومن أبرز هذه التحركات الصفقة المرتقبة بين "أنغلو أميركان" و"تيك ريسورسيز"، والتي تهدف لتشكيل كيان عملاق بقيمة 50 مليار دولار، في محاولة للسيطرة على ما تبقى من موارد متاحة.

رؤية مستقبلية: نحو عجز هيكلي محتوم؟

يواجه العالم اليوم معادلة صعبة؛ فبينما يتباطأ الطلب قصير الأجل في الصين بسبب ركود العقارات، يندفع العالم نحو عجز هيكلي طويل الأمد. إن استمرار الفجوة بين طموحات التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء) وواقع الأرض (المناجم المتهالكة والصعوبات الجيوسياسية) يجعل من النحاس المعدن الأكثر حساسية وتأثيراً في استقرار الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة.

الخلاصة: إن تأمين إمدادات النحاس لم يعد مجرد مسألة تجارية، بل أصبح قضية أمن قومي واقتصادي للدول التي تطمح لقيادة الثورة الصناعية القادمة.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *