فتحت الاتهامات الأخيرة التي وجهتها الرئاسة اليمنية للمجلس الانتقالي الجنوبي الباب على مصراعيه لمناقشة ملف شائك ومعقد يتعلق بحقوق المواطنين وحريتهم في التنقل داخل وطنهم. فبين نفي قاطع من "الانتقالي" وتقارير حقوقية صادمة، تبرز تساؤلات ملحة حول الواقع المعاش في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة لها، وما إذا كانت النقاط الأمنية قد تحولت من صمامات أمان إلى عوائق أمام حركة المدنيين.
تصعيد سياسي واتهامات دستورية خطيرة
شهد الأسبوع الماضي تصعيداً لافتاً في الخطاب السياسي اليمني، حيث دعت الرئاسة اليمنية في بيان رسمي المجلس الانتقالي إلى الرفع الفوري وغير المشروط لكافة القيود المفروضة على حركة المواطنين المتوجهين إلى عدن. ولم يكتفِ البيان بالمطالبة، بل وصف هذه الإجراءات بأنها "انتهاك جسيم للدستور اليمني" وتعدٍ صارخ على الحقوق الأساسية التي تكفلها القوانين المحلية والمواثيق الدولية.
وأكدت مصادر مسؤولة في مكتب الرئاسة تلقي بلاغات موثوقة وموثقة تشير إلى حدوث عمليات اعتقال واختطاف في مداخل عدن، نُفذت بناءً على توجيهات مباشرة من قيادة "قوات الحزام الأمني" التابعة للمجلس الانتقالي، مما يعكس عمق الفجوة الأمنية والسياسية بين شركاء الحكم.
رواية "الانتقالي": نفي وتأكيد على الاستقرار
في المقابل، سارعت الماكينة الإعلامية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى نفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، واصفة إياها بـ "المزاعم" التي لا أساس لها من الصحة. واستند خطاب الانتقالي في دفاعه إلى أن عدن والمناطق الجنوبية تعيش حالة من الاستقرار الأمني الذي جعلها مقصداً للنازحين، مشيراً إلى وجود قرابة 4 ملايين مواطن من المحافظات الشمالية يعيشون في الجنوب، وهو ما اعتبره المجلس دليلاً على زيف اتهامات التقييد أو التمييز.
شهادات من الميدان: تشديد أمني ونزعات مناطقية
على الرغم من النفي الرسمي، ترسم شهادات المسافرين والمصادر الميدانية صورة مغايرة؛ حيث أفاد شهود عيان بتشديد الإجراءات الأمنية بشكل غير مسبوق عند مداخل عدن، وخاصة في النقاط الفاصلة مع المحافظات الشمالية.
وتمثلت أبرز الممارسات المرصودة في الآتي:
- تكثيف الحواجز: استحداث نقاط تفتيش جديدة وتعزيز النقاط القائمة بقوات إضافية.
- التفتيش المهين: خضوع الأفراد والعائلات لعمليات تفتيش شخصي دقيق ومطول.
- التحريض الجهوي: انتشار مقاطع مصورة على منصات التواصل الاجتماعي تحمل نبرة تحريضية واضحة بدوافع مناطقية، مما يفاقم حالة الانقسام المجتمعي.
لغة الأرقام: تقرير "نقاط الموت" يكشف المستور
بعيداً عن السجال السياسي، قدمت منظمة "رايتس رادار" لحقوق الإنسان (منظمة يمنية غير حكومية) بيانات إحصائية مرعبة في تقريرها الذي حمل عنوان "نقاط الموت". ويوثق التقرير حجم الانتهاكات التي تعرض لها المسافرون منذ بداية الصراع، وجاءت الأرقام كالتالي:
- عدن: سجلت 1144 حالة انتهاك بحق مسافرين ومارة.
- لحج: شهدت 585 حالة انتهاك.
- الضالع: سجلت 412 حالة.
وحمل التقرير التشكيلات الأمنية التابعة للانتقالي المسؤولية عن اختطاف واحتجاز 666 مدنياً، تعرض 25 منهم لتعذيب وحشي، ومن بين الضحايا فئات ضعيفة تشمل (19 مسناً، 20 طفلاً، و5 نساء). كما أشار التقرير إلى استحداث 102 نقطة تفتيش غير قانونية أدت إلى منع 764 مسافراً من دخول المحافظات الجنوبية.


اترك تعليقاً