شهدت الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حدة التوترات خلف الكواليس بين الجيش الإسرائيلي وضباط من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، وتحديداً داخل "مركز التنسيق المدني العسكري" الواقع في منطقة "كريات غات" بالقرب من قطاع غزة. وتأتي هذه الاحتكاكات لتسلط الضوء على فجوة متزايدة في الرؤى العملياتية والأمنية بين الحليفين الوثيقين فيما يخص إدارة الملفات الحساسة في القطاع.
جذور الخلاف: تدخلات أمريكية ورفض إسرائيلي
بدأت ملامح الأزمة تلوح في الأفق بعد أن رفضت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية طلبات متكررة من الجانب الأمريكي لعقد مناقشات أمنية معمقة حول قضايا عملياتية وصفت بـ "بالغة الحساسية". وبحسب تقارير إعلامية عبرية، فإن مسؤولين إسرائيليين كبار أعربوا عن استيائهم مما وصفوه بـ "التدخل المفرط" من قبل مقر القيادة الأمريكي في شؤون أمنية تدعي إسرائيل أنها تعالجها بشكل مستقل وفعال.
وتلخص الموقف الإسرائيلي في أن هذه القضايا نوقشت باستفاضة منذ اندلاع الحرب، وأن تل أبيب لا ترى حاجة لفتح نقاشات جديدة مع واشنطن حول تفاصيل تقع ضمن صلاحياتها السيادية والأمنية الواضحة.
فضيحة التنصت: هل تراقب إسرائيل حلفاءها؟
لم تتوقف الأزمة عند حدود الاختلاف في وجهات النظر، بل تجاوزتها إلى اتهامات خطيرة تتعلق بالتجسس. فقد كشفت تقارير استخباراتية، نقلتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن جهات إسرائيلية نفذت عمليات مراقبة وتنصت (علنية وسرية) استهدفت القوات الأمريكية وقوات دول حليفة أخرى داخل مركز التنسيق في "كريات غات".
هذا الخرق الأمني دفع قائد القاعدة الأمريكية، الجنرال باتريك فرانك، إلى اتخاذ خطوة حازمة باستدعاء مسؤول إسرائيلي رفيع، مطالباً بوقف كافة أشكال التسجيلات فوراً، مما يعكس حالة من عدم الثقة بدأت تتسرب إلى أروقة العمل المشترك.
مركز التنسيق.. أداة لمراقبة "خطة ترامب"
تأسس مركز التنسيق المدني العسكري في 21 أكتوبر الماضي بقرار من القيادة المركزية الأمريكية، بهدف رئيسي هو:
- متابعة تنفيذ "اتفاق شرم الشيخ" لوقف إطلاق النار.
- دعم جهود الاستقرار في قطاع غزة دون نشر قوات أمريكية قتالية على الأرض.
- تسهيل تدفق المساعدات الإنسانية واللوجستية من الشركاء الدوليين.
ويُعد هذا المركز حجر زاوية في الرؤية الاستراتيجية التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الصراع، والتي تتضمن خطة سلام شاملة من 20 بنداً، تشمل نزع سلاح حركة حماس، وتشكيل حكومة تكنوقراط، ونشر قوة استقرار دولية مدعومة أمريكياً.
واقع ميداني مأساوي وتحديات الإعمار
تأتي هذه التوترات السياسية والعسكرية في وقت يواجه فيه قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة بعد عامين من العمليات العسكرية المكثفة، حيث تشير الإحصائيات إلى:
- خسائر بشرية هائلة: تجاوز عدد الضحايا 71 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح.
- دمار البنية التحتية: طال الدمار نحو 90% من المنشآت المدنية في القطاع.
- تكلفة الإعمار: قدرت الأمم المتحدة الميزانية المطلوبة لإعادة بناء ما دمرته الحرب بنحو 70 مليار دولار.
خاتمة:
بينما تحاول واشنطن فرض رقابة لصيقة على مسار وقف إطلاق النار وخطط ما بعد الحرب، تصر إسرائيل على الاحتفاظ بزمام المبادرة الأمنية كاملة. وتظل "كريات غات" شاهدة على صراع الإرادات بين الرغبة الأمريكية في "ضبط الإيقاع" والرفض الإسرائيلي لأي "وصاية" ميدانية، في ظل واقع إنساني يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.


اترك تعليقاً