تشهد الساحة الدولية توتراً دبلوماسياً متصاعداً على خلفية تجدد الأطماع الأمريكية في جزيرة غرينلاند، مما أثار موجة غضب واسعة بين الحلفاء الأوروبيين. وفي مشهد يعكس وحدة الصف الأوروبي، تداعت دول الشمال والبلطيق، مدعومة بقوى كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، للتصدي لما وصفته بـ "الخطاب التهديدي" الصادر عن واشنطن، مؤكدة أن السيادة على الجزيرة القطبية ليست محل تفاوض.
موقف سويدي حازم: "النظام العالمي في خطر"
انتقد رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، بشدة التوجهات الأمريكية الأخيرة تجاه غرينلاند والدنمارك، واصفاً إياها بأنها تهديد مباشر للقانون الدولي. وفي تصريحات حادة خلال مؤتمر الأمن السنوي، أكد كريسترسون أن السويد وجاراتها في الشمال والبلطيق يقفون صفاً واحداً مع الدنمارك.
أبرز نقاط الموقف السويدي:
- انتقاد الازدواجية: أشار كريسترسون إلى أن السياسات الأمريكية، سواء في فنزويلا سابقاً أو تجاه غرينلاند حالياً، تضعف "النظام العالمي القائم على القواعد".
- التحذير من السابقة القانونية: شدد على أن أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة ستشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة، مما قد يفتح الباب لدول أخرى لارتكاب تجاوزات مماثلة.
- الوفاء للحلفاء: ذكّر واشنطن بأن الدنمارك كانت دوماً حليفاً مخلصاً، وبدلاً من التهديد، يجب تقديم الشكر لها.
تحركات ألمانية وفرنسية لحماية السيادة الأوروبية
لم يقتصر الرفض على دول الشمال، بل امتد إلى برلين وباريس، حيث عبر كبار المسؤولين عن استيائهم من الضغوط الأمريكية.
- ألمانيا: أكد وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، أن قرار السيادة على غرينلاند يعود حصراً للجزيرة والدنمارك. ومن جانبه، شدد وزير المالية لارس كلينغبايل على ضرورة تعزيز الأمن في القطب الشمالي كحلفاء "معاً"، وليس كأطراف متصارعة.
- فرنسا: طالب وزير الخارجية الفرنسي، جون نويل بارو، الإدارة الأمريكية بوقف ما وصفه بـ "أسلوب الابتزاز" الهادف لفرض السيطرة المباشرة على أراضي الجزيرة.
خطة "الناتو" والردع العسكري في القطب الشمالي
في خطوة استباقية، كشفت تقارير عن تحركات تقودها بريطانيا بالتعاون مع فرنسا وألمانيا لوضع خطة عسكرية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو). تهدف هذه الخطة إلى:
- نشر قوات ومعدات: دراسة إرسال سفن حربية وطائرات وقوات بريطانية لحماية الجزيرة.
- ردع الخصوم: التصدي للنشاط المتزايد لروسيا والصين في المنطقة القطبية.
- رسالة لواشنطن: تأمل الدول الأوروبية أن يؤدي تعزيز الوجود العسكري المشترك إلى إقناع واشنطن بأن أمن المنطقة مضمون، مما يغنيها عن فكرة "الاستحواذ" على الجزيرة.
لماذا يصر ترامب على "امتلاك" غرينلاند؟
يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن السيطرة على غرينلاند ضرورة استراتيجية قصوى للأمن القومي الأمريكي، مبرراً ذلك بعدة أسباب:
- الموقع الجيوسياسي: تقع الجزيرة في نقطة التقاء استراتيجية بين المحيطين الأطلسي والمتجمد الشمالي.
- الثروات الطبيعية: تزخر غرينلاند باحتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية والنادرة.
- مواجهة الصين وروسيا: يزعم ترامب أن الدنمارك أهملت الدفاع عن الجزيرة، مما سمح للسفن الروسية والصينية بالعمل قريباً منها، مؤكداً أنه سيسعى لتحقيق هدفه "باللين أو الشدة".
رد فعل غرينلاند: "لسنا للبيع"
رغم اتفاقية الدفاع الموقعة منذ عام 1951 والتي تمنح الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية واسعة، إلا أن سكان الجزيرة وقيادتها السياسية يرفضون قاطعاً فكرة الانضمام للولايات المتحدة. ويؤكد الغرينلانديون أن مستقبلهم يقرره أبناء الأرض وحدهم، بعيداً عن صراعات القوى الكبرى وأطماعها التوسعية.
الخلاصة:
تتحول غرينلاند اليوم من مجرد جزيرة قطبية هادئة إلى بؤرة صراع دولي يعيد رسم موازين القوى داخل حلف الناتو، فبينما تراها واشنطن "جائزة استراتيجية"، تراها أوروبا اختباراً حقيقياً لمدى ص


اترك تعليقاً