أسرار البركة في السحور: لماذا أوصى به النبي ﷺ؟

# السحور.. منحة ربانية وثمرات إيمانية في ظلال السنة النبوية

الحمد لله الذي جعل الصيام جنة، وشرع لنا من العبادات ما يزكي النفوس ويرفع الدرجات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، القائل: “تسحروا فإن في السحور بركة”، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فإن المتأمل في شريعة الإسلام يجدها مبنية على اليسر والرحمة، ومن تجليات هذه الرحمة تلك الوجبة المباركة التي تسبق خيط الفجر الأبيض؛ إنها وجبة “السحور”. هذا السحور الذي ليس مجرد طعام يتناوله المرء ليقوي بدنه، بل هو منحة ربانية، ورخصة إلهية، ونعمة فعلية، ووصية نبوية غالية، وجائزة سنية للصائمين. من تمسك بها أُجر وحصل على فيض من الخيرات، ومن فرط فيها فقد غُبن وحُرم من بركات عظيمة لا تُعوض.

السحور: عبادة تجدد الروح وتقوي البدن

إن السحور يمثل أحد تلك العبادات العظيمة التي ترفع الدرجات وتحط السيئات، وهو فضل من الله -عز وجل- يهدي إليه من يشاء من عباده المخلصين. تكمن عظمة هذه العبادة في كونها مرتبطة بمقومات الصيام الصحيح، ولعل من أعظم غاياتها الحرص على إقامة شرع الله كما ينبغي، وتنفيذ حدوده على الوجه الأكمل.

إن السحور يجدد النشاط للعبادة التي تعقبه، وهي الصيام، ويزيد من عناية الصائمين بعبادتهم، ويصرف عنهم الأفكار الخبيثة والوساوس الدنية التي قد تساور النفس عند الشعور بالجوع أو التعب. إنه يبعث في الجوارح والقلوب حيوية تدفعها إلى ما يرضي الله عز وجل، ويحقق للمسلم خيري الدنيا والآخرة. كما أن السحور يقتضي محبة العباد لربهم ويقربهم إليه، فهو مسخطة للشيطان ومرضاة للرحمن.

الحكم الشرعي للسحور: إجماع الأمة على الاستحباب

لقد أمر النبي ﷺ بالسحور في أحاديث صحيحة، ومنها ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تسحَّروا؛ فإن في السَّحور بركةً». فقوله ﷺ: (تسحروا) هو صيغة أمر تفيد الحث والترغيب الشديد، إلا أن العلماء أجمعوا على أن هذا الأمر للاستحباب والندب وليس للوجوب.

والصارف للأمر عن الوجوب هو فعل النبي ﷺ نفسه، ومن ذلك حادثة “الوصال” المشهورة حين واصل الصحابة الصيام، ولو كان السحور واجبًا لما ساغ ترك الوصال. وفي هذا السياق يقول الحافظ ابن حجر: “السحور ليس بحتم؛ إذ لو كان حتمًا ما واصل بهم ﷺ؛ فإن الوصال يستلزم ترك السحور”.

وقد نقل الإجماع على عدم الوجوب جمع من كبار العلماء:
1. القاضي عياض: “أجمع الفقهاء على أن السحور مندوب إليه ليس بواجب”.
2. ابن المنذر: “وأجمعوا على أن السحور مندوب إليه”.
3. الإمام النووي: “وأجمع العلماء على استحبابه، وأنه ليس بواجب”.
4. ابن الملقن: “أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب”.
5. ابن قدامة: أكد في “المغني” أنه لا يعلم بين العلماء خلافًا في استحبابه.

فضائل السحور وثمراته في السنة النبوية

لقد وردت في السحور أحاديث كثيرة تبرز فضله ومكانته، ومنها:

1. السحور عون على الصيام

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «استعينوا بطعام السَّحر على صيام النهار..». فهو الوقود الذي يمد الصائم بالطاقة اللازمة للقيام بمهامه اليومية وعباداته دون فتور.

2. السحور رحمة من الله

عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يرحم الله المتسحِّرين». فيا له من فضل أن تنالك رحمة الله بمجرد تناولك لهذه الوجبة.

3. السحور تمييز لأمة الإسلام

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أَكْلةُ السَّحر». فهو ميزة كرم الله بها هذه الأمة ورفع شأنها.

4. صلاة الله وملائكته على المتسحرين

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «السحور كله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين».

أسرار البركة في وجبة السحور

لقد وصف النبي ﷺ السحور بالبركة في مواضع شتى، كقوله ﷺ: «البركة في ثلاث: الجماعات، والثريد، والسحور»، وقوله: «إن الله عز وجل جعل البركة في السحور والكيل». فما هي هذه البركة التي تضمنتها الوجبة؟

لقد اختلف العلماء في شرح وجوه هذه البركة، ونستعرض أهمها:

  • القوة على العبادة: يرى النووي أن الصواب المعتمد هو أن السحور يعين على الصيام ويخفف المشقة، مما يزيد من نشاط الصائم.
  • إدراك وقت الفضل: السحور يدفع المسلم للاستيقاظ في وقت السحر، وهو وقت الاستغفار والدعاء والتنزل الإلهي، ولولا السحور لنام الكثيرون عن هذا الفضل.
  • مخالفة أهل الكتاب: اتباع السنة وتحقيق التميز للمسلم.
  • حسن الخلق: السحور يدفع سوء الخلق الذي قد يسببه الجوع الشديد.
  • تجديد النية: القيام للسحور هو في حد ذاته تجديد لنية الصيام.

وقد أجمل الحافظ ابن حجر هذه الجهات بقوله: “البركة في السحور تحصل بجهات متعددة: وهي اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة”.

أما العلامة ابن عثيمين رحمه الله فقد قسم البركة إلى نوعين:
1. بركة شرعية: تتمثل في امتثال أمر الرسول ﷺ والاقتداء به.
2. بركة بدنية: تتمثل في تغذية البدن وتقويته على الصيام، حيث ينزل الله البركة في هذا الطعام القليل ليكفي الصائم حتى الغروب.

من آداب السحور وسننه

لقد أرشدنا النبي ﷺ إلى آداب تجعل من السحور عبادة متكاملة، ومنها:

أولاً: السحور بالتمر

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «نِعْمَ السحور التمر». فالتمر ليس مجرد غذاء، بل هو سنة نبوية في السحور كما هو في الإفطار.

ثانياً: تأخير السحور

من السنن المؤكدة تأخير السحور إلى قبيل الفجر، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بكروا بالإفطار وأخروا السحور». وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية).

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور». وهذا التأخير فيه تيسير على الصائم وتقليل لفترة الجوع.

تربية الأمة على تعظيم السنة

إن السحور ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو مدرسة تربوية يجب أن تنشأ عليها الأمة؛ رجالها ونساؤها، صغارها وكبارها. يجب أن نعلم أبناءنا أن في السحور بركة، وأن في مخالفة الهدي النبوي حرمانًا. وكما قال القائل في أبيات تعبر عن هذا المعنى:

والفِطر والسحور فيهما أتى ** فضلٌ عن الرسول نصًّا ثبتَا
قولاً وفعلاً آمرًا مرغِّبَــــا ** فلا تكُنْ عما ارتضاه راغبَــا

إن الحرص على السحور هو علامة على تعظيم شعائر الله، وهو دليل على محبة النبي ﷺ واتباع أثره. فالمؤمن الصادق هو من تظهر آثار السنة في حركاته وسكناته، وفي مطعمه ومشربه.

ختامًا، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يوفقنا لاستغلال هذه المنح الربانية على الوجه الذي يحبه ويرضاه. اللهم بارك لنا في صيامنا وقيامنا وسحورنا، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم. والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *