أسرار التذلل إلى الله: كيف تلازم باب المولى في كل حال؟

# أسرار التذلل إلى الله: كيف تلازم باب المولى في كل حال؟

إنَّ أعظم مراتب العبودية، وأسمى غايات العارفين، هي تلك الحالة التي يطرح فيها العبد نفسه بين يدي خالقه، معترفاً بفقره، مقراً بذنبه، مستمسكاً بحبال فضله. إنها رتبة “التذلل إلى الله تعالى”، التي هي جوهر الانكسار ومفتاح القبول. وفي هذا السياق، يضع لنا الإمام العلامة ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ “صيد الخاطر” دستوراً إيمانياً ومنهاجاً عملياً لمن أراد أن يذوق حلاوة القرب ويأمن من وحشة البعد.

لزوم العتبة: العبد بين الطاعة والمعصية

يفتتح الإمام ابن الجوزي نصيحته الغالية بدعوة العاقل إلى ملازمة “باب المولى”. إنَّ هذا التعبير ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو تصوير لحال القلب الذي لا يجد مستقراً ولا ملجأً إلا في جناب الله. يقول ابن الجوزي: “ينبغي للعاقل أن يلازم باب مولاه على كل حال، وأن يتعلق بذيل فضله إن عصى وإن أطاع”.

إنَّ النفس البشرية تتقلب بين إقبال وإدبار، وبين استقامة وزلل. والخطأ الفادح الذي يقع فيه الكثيرون هو الهروب من الله عند الوقوع في الذنب، ظناً منهم أنَّ المعصية تحجبهم عن طرق الباب. ولكنَّ الحقيقة الإيمانية تؤكد أنَّ العبد في حال معصيته أحوج ما يكون إلى الارتماء على عتبة الربوبية، طالباً الصفح، ومستمسكاً بذيل الفضل الذي لا ينقطع. فالتعلق بفضل الله في حال الطاعة يحمي من العجب والكبر، والتعلق به في حال المعصية ينقذ من اليأس والقنوط.

الأنس في الخلوة وعلاج الوحشة

من ثمار التذلل الصادق أن يجد العبد أنساً في خلوته بربه. فالمؤمن الذي أدمن الوقوف بالباب، يجد في الوحدة مع الله جلاءً لهمومه وطمأنينة لقلبه. ولكن، ماذا لو شعر العبد بوحشة؟ ماذا لو أحس بظلمة في صدره تحول بينه وبين الاستمتاع بمناجاة ربه؟

هنا يصف ابن الجوزي العلاج بدقة، فيقول: “وليكن له أنس في خلوته به، فإن وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش”. إنَّ الوحشة لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة طبيعية للجفاء أو الجناية. وقد استشهد الإمام ببيت شعر يحمل في طياته عتاباً رقيقاً ودواءً ناجعاً:

*أَمُستوحِشٌ أَنتَ مِمّا جَنَيـ … ـتَ فَأَحسِن إِذا شِئتَ وَاستَأنِسِ*

إنَّ الإحسان هو الترياق الوحيد للوحشة الناتجة عن الإساءة. فكلما أحسن العبد في عبادته وأقبل بقلبه، ارتفعت حجب الوحشة وحلَّت محلها أنوار الأنس. إنها دعوة للمراجعة الذاتية؛ فإذا وجدتَ قلبك منقبضاً في خلوتك، فابحث عن “الموحش” -وهو الذنب أو الغفلة- واجتهد في رفعه بالتوبة والاستغفار.

توجيه الرغبات: بين الدنيا والآخرة

لا يخلو قلب بشر من رغبات وتطلعات، سواء كانت تتعلق بعاجل الدنيا أو آجل الآخرة. والموفق هو من جعل بوصلة هذه الرغبات تتجه دائماً نحو الخالق. يوضح ابن الجوزي هذا المسلك بقوله: “فإن رأى نفسه مائلاً إلى الدنيا طلبها منه، أو إلى الآخرة سأله التوفيق للعمل لها”.

هذا هو كمال التوحيد؛ ألا تطلب الرزق إلا من الرزاق، وألا تطلب التوفيق إلا من الموفق. فإذا مالت نفسك لزينة الدنيا، فلا تركض خلف الأسباب ركض الوحوش، بل قف بباب الله واسأله من فضله، فخزائنه ملأى. وإذا تقت إلى مراتب الآخرة، فاعلم أنك لن تبلغها بحولك وقوتك، بل بتوفيق الله ومدده، فاسأله المعونة على ذكره وشكره وحسن عبادته.

طب القلوب وإصلاح النوايا

أحياناً يشتهي الإنسان أمراً من الدنيا قد يكون فيه هلاكه أو فساد دينه وهو لا يعلم. وهنا تأتي حكمة العبد المتذلل الذي يسلم قياده لله. يقول ابن الجوزي: “فإن خاف ضرر ما يرومه من الدنيا سأل الله إصلاح قلبه، وطب مرضه، فإنه إذا صلح لم يطلب ما يؤذيه”.

إنَّ الرغبات الجامحة التي تضر العبد هي في الحقيقة “مرض” في القلب. فالقلب الصحيح لا يشتهي إلا ما ينفعه، بينما القلب السقيم قد يميل إلى السموم وهو يحسبها عسلاً. لذا، فإنَّ أعظم دعاء يمكن أن يلهج به اللسان هو طلب إصلاح القلب، فإذا صلح القلب استقامت الجوارح، وتلاشت الرغبات الضارة، وحلَّ الرضا بما قسمه الله.

التقوى: شرط الأنس والعيش الرغد

إنَّ الحالة التي وصفها ابن الجوزي، من ملازمة الباب والأنس بالله، هي مفتاح “العيش الرغد”. والعيش الرغد هنا ليس بالضرورة كثرة المال والجاه، بل هو طيب النفس، وراحة البال، وطمأنينة القلب التي لا يملكها ملوك الدنيا.

ولكن، حذر الإمام من أنَّ هذه المرتبة العالية لها ثمن وشرط ضروري، فقال: “ومن كان هكذا كان في العيش الرغد غير أن من ضرورة هذه الحال ملازمة التقوى، فإنه لا يصلح الأنس إلا بها”.

لا يمكن لقلب ملوث بالمعاصي، مستهين بحدود الله، أن يذوق طعم الأنس. فالتقوى هي السياج الذي يحمي حالة القرب، وهي الوقود الذي يغذي نار الشوق في القلب. إنَّ أرباب التقوى هم وحدهم الذين عرفوا حقيقة اللجأ إلى الله، فتركوا كل شيء وتفرغوا للسؤال والافتقار.

سلاح الصالحين: قصة الأصبع الفاردة

ليؤكد ابن الجوزي على قوة التذلل واللجأ إلى الله، يسوق لنا قصة تاريخية عظيمة تحمل دلالات عميقة. يحكي أنَّ القائد قتيبة بن مسلم، عندما واجه جيوش الترك في معركة مهولة، ورأى كثرتهم وقوتهم، فزع إلى البحث عن سلاح من نوع آخر. لم يسأل عن عدد السيوف أو الرماح، بل سأل: “أين محمد بن واسع؟”.

فقيل له: “هو في أقصى الميمنة جانح على سية قوسه يومىء بإصبعه نحو السماء”.

انظر إلى هذا المشهد المهيب؛ جيوش تتصادم، وسيوف تتقارع، ورجل صالح واحد، منكسر بباب الله، يرفع إصبعه إلى السماء مستنصراً بالواحد القهار. حينها قال قتيبة كلمته الخالدة: “تلك الأصبع الفاردة أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وسنان طرير”.

لقد أدرك القائد الخبير أنَّ النصر لا يأتي من حديد السيوف فحسب، بل من قلوب عرفت كيف تتذلل لربها. فلما فتح الله عليهم، سأل قتيبةُ محمدَ بن واسع: “ما كنت تصنع؟”، فأجاب إجابة العارفين الواثقين: “آخذ لك بمجامع الطرق”.

إنَّ الدعاء والتذلل هو الذي يفتح الطرق المغلقة، وهو الذي يمهد السبل للنصر والتمكين. محمد بن واسع لم يكن يقاتل بسيفه، بل كان يقاتل بافتقاره وتذلله، فأخذ للقائد بمجامع الطرق السماوية التي تنزل منها الأرزاق والانتصارات.

الخاتمة: كيف نطبق منهج التذلل في حياتنا؟

إنَّ كلمات ابن الجوزي ليست مجرد وعظ تاريخي، بل هي خطة عمل لكل مسلم يطمح للسكينة في زمن الاضطراب. إنَّ التذلل إلى الله يتطلب منا:

1. المداومة على الدعاء: لا تترك باب الله أبداً، واجعل لك نصيباً من المناجاة في جوف الليل.
2. تطهير الخلوات: اجعل خلوتك مكاناً للأنس بالله لا مكاناً للمعصية، وإذا أحسست بالوحشة فبادر بالتوبة.
3. تجريد الافتقار: أيقن أنَّ كل ما بيدك هو من فضل الله، وأنك بدونه لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً.
4. تحقيق التقوى: فهي المفتاح السحري الذي يفتح لك أبواب الفهم والأنس والرضا.

إنَّ من لزم الباب، وأدمن الوقوف على العتبة، وتعلق بذيل الفضل، وطهر قلبه بالتقوى، ضمن لنفسه عيشاً رغداً في الدنيا، وفوزاً عظيماً في الآخرة. فكن كصاحب الأصبع الفاردة، واجعل وجهتك دائماً نحو السماء، فمن أخذ بمجامع الطرق إلى الله، لم تضل به السبل أبداً.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *